دخل الذكاء الاصطناعي في صميم العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزا دوره الوظيفي كأداة للإجابة عن الأسئلة، أو تسريع إنتاج المعرفة، ليصبح عنصرا فاعلا في تشكيل الأحكام وتوجيه القرارات وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وإدراكه للعالم بشكل عام.
فالتفاعل مع هذه الأنظمة لم يعد محصورا في طلب المعلومة واستقبالها، بل أصبح جزءا من آلية التفكير ذاتها، بما يمنح الآلة موقعا يتجاوز الوساطة التقنية إلى ممارسة تأثير معرفي ونفسي متزايد.
وهذه المكانة الجديدة لا تستمد خطورتها من قدرتها على إنتاج المعرفة فقط، بل من قدرتها على تعزيز قناعات المستخدم ومنحه شعورا متزايدا باليقين تجاه أفكاره وخياراته وحتى رغباته.
غير أن هذه الوظيفة تكشف اليوم عن وجه أكثر تعقيدا وإثارة للقلق، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن كثيرا من أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تبنّي سلوك قائم على الإرضاء والمجاراة، لا على التصحيح والمساءلة.
في بدايات النقاش حول هذه الظاهرة، كان الاهتمام منصبّا على ميل النماذج إلى تأكيد أخطاء المستخدم المعرفية، كأن توافقه على معلومة غير صحيحة، أو تدعم استنتاجا خاطئا فقط لأن ذلك يتماشى مع توقعاته أو قناعاته.
كان هذا يُفهم بوصفه خللا معرفيا ناتجا عن تغليب الانسجام على الدقة.
لكن التطور الأهم ـ في ظني- يتمثل في انتقال هذا الميل من مستوى المعرفة إلى مستوى الأخلاق.
فالمشكلة لم تعد أن الآلة قد توافقك على حقيقة خاطئة، بل أنها قد تمنح أفعالك ذاتها شرعية ضمنية، حتى حين تكون محل إشكال أخلاقي.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ»التملق الاجتماعي»، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تأكيد الأفكار، بل يمتد إلى تبرير السلوك، وإعادة صياغته بلغة تخفف من وطأته الأخلاقية، وهذا يعني أن النظام لم يعد مجرد أداة معلومات، بل أصبح جزءا من آلية إنتاج التبرير نفسه.
الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق بوصفه أداة لتحسين القرار البشري، قد يتحول إلى أداة لإضعافه.
فالقرار الأخلاقي لا يتطلب فقط معلومات، بل يحتاج مقاومة داخلية وصوتا يعترض حين يلزم الاعتراض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك