تعاملت الحكومة الفيتنامية مع اضطراب أسواق الطاقة باعتباره اختبارًا مبكرًا لقدرة الدولة على حماية الإمدادات وثقة المستهلكين.
فالتوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط قد لا تبدو قريبة من الحياة اليومية في فيتنام، لكنها تظهر سريعًا في الوقود، وكلفة النقل، وفاتورة الاستيراد، وحركة السوق.
لذلك تحركت هانوي عبر مراجعة المخزونات، وتشديد الرقابة، وتخفيف بعض القيود التنظيمية، قبل أن تتحول رائحة الأزمة الخارجية إلى عبء اقتصادي واجتماعي داخلي.
بدأت فيتنام من السوق المحلية.
فقد فعّلت وزارة الصناعة والتجارة خطة طوارئ للوقود، وراجعت المخزونات والإنتاج والاستيراد، وخصصت حدًّا أدنى من الإمدادات الوطنية يقترب من 31.
8 مليون متر مكعب لعام 2026، مع تشديد الرقابة على التزام التجار بالاحتياطيات.
والرسالة هنا أن إدارة الوقود لا تبدأ عند محطة البنزين، بل من تقدير المخزون، وضبط التوزيع، ومنع الارتباك قبل أن يصل إلى المستهلك.
ولم تقف هانوي عند الكميات وحدها، بل راجعت طريقة عمل السوق.
فقرار الحكومة رقم 19/2026 خفف إجراءات الترخيص وشروط الأعمال في قطاع الوقود والكهرباء وقطاعات أخرى، وألغى بعض المتطلبات المرتبطة بالوكلاء والموانئ والتخزين والنقل، مع الإبقاء على معايير السلامة والبيئة.
وهذا يعني أن الحكومة لا تريد لسوق الوقود أن يتعطل مرتين، مرة بسبب الأزمة الخارجية، ومرة بسبب التعقيد الإداري في الداخل.
وهنا تبرز أهمية التجربة بالنسبة إلى الخليج.
فدول الخليج تعرف أن الوقود ليس سلعة معزولة عن السياسة والأمن، وأن اضطراب طرق الإمداد أو أسعار الشحن أو التأمين البحري قد ينعكس على الغذاء، والنقل، والصناعة، وثقة الناس.
من هذه الزاوية، لا تبدو فيتنام حالة بعيدة، بل نموذجًا آسيويًّا في إدارة القلق قبل أن يتحول إلى أزمة في السوق.
وتبحث فيتنام، بالتوازي مع ضبط سوق الوقود، عن تنويع مصادر الطاقة التي تغذي اقتصادها الصناعي.
فقد فتحت حوارًا مع الولايات المتحدة بشأن الغاز الطبيعي المسال، ضمن خطة تستهدف إضافة 22.
5 غيغاواط من قدرات الكهرباء المعتمدة على الغاز بحلول عام 2030، مع توقع أن تتجاوز وارداتها من الغاز الطبيعي المسال 18 مليون طن سنويًّا.
كما وصف بنك التنمية الآسيوي فيتنام بأنها رابط استراتيجي في مبادرة شبكة الكهرباء لعموم آسيا، ضمن خطة أوسع بقيمة 70 مليار دولار لربط الطاقة والبنية الرقمية في آسيا والمحيط الهادئ.
وهذا التحول يهم القارئ الخليجي لأن جنوب شرق آسيا لم يعد مجرد سوق بعيدة، بل منطقة تتقاطع فيها ملفات الوقود والكهرباء والموانئ وسلاسل الإمداد مع مصالح الخليج.
من هنا، تبدو فيتنام كأنها التقطت رائحة الخطر مبكرًا، فحوّلت الوقود من نقطة ضعف محتملة إلى اختبار لإدارة الدولة.
وبين الحرب البعيدة والسوق القريبة، يكمن الدرس الأهم: الأزمات لا تُهزم بعد وصولها، بل حين تُقرأ علاماتها الأولى.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك