بعد مرور أربعة أشهر على القمع الدموي للاحتجاجات الشعبية الإيرانية الواسعة في يناير (كانون الثاني) الماضي، يعيش عدد من الشباب الذين كانوا في شوارع طهران ومشهد وساري وكرج وشيراز وأصفهان ورشت وكرمانشاه وعشرات المدن الأخرى، حياة جديدة في المنفى الإجباري.
منفى صامت، غير مستقر، ومليء بالخوف، تقوده مسارات الهرب نحو دول الجوار مثل تركيا والعراق وأرمينيا والإمارات.
وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطات الإيرانية، وسط واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمعيشية خلال العقود الأخيرة، حملات الاعتقال وإصدار الأحكام الثقيلة وتنفيذ الإعدامات في حق المتظاهرين، اضطر عدد كبير من المشاركين في احتجاجات يناير الماضي إلى مغادرة البلاد بعد استدعاءات متكررة وتهديدات طاولت عائلاتهم، إلى جانب تصاعد الأخبار حول إعدامات في حق معتقلين.
وبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم يكن القرار مجرد هجرة، بل محاولة للبقاء على قيد الحياة.
وتشير معلومات حصلت عليها صحيفة" اندبندنت فارسية" إلى أن جزءاً كبيراً من هؤلاء المتظاهرين غادروا إيران خلال الأسابيع والأشهر الماضية بطرق غير قانونية، عبر مسارات جبلية وحدودية وبحرية، ليصلوا إلى مدن مثل إسطنبول ووان وسليمانية وأربيل ويريفان ودبي، حيث يعيشون اليوم من دون وثائق إقامة وفي ظروف شديدة الهشاشة.
يقول شاب يبلغ من العمر 23 سنة من كرج، شارك في احتجاجات يناير الماضي، ثم لاحقته القوات الأمنية إلى منزل عائلته، إنه" عندما سمعنا خبر إعدام بعض المعتقلين، أدركت أن دوري قادم لا محالة.
اقتحموا منزلنا أكثر من مرة ودمروا كل شيء.
في المرة الأخيرة قالوا لوالدتي إما أن أُسلم نفسي أو سيصدر حكم غيابي بإعدامي.
لم أعد أستطيع حتى البقاء عند صديق.
خرجت من إيران، وأنا الآن في وان، أعيش بشكل سري وفي وضع مالي صعب جداً، لأنني إذا اعتقلتني الشرطة التركية قد يتم ترحيلي فوراً إلى إيران".
ويضيف أن رحلته إلى خارج البلاد استغرقت أربعة أيام" جزء من الطريق مشيناه سيراً على الأقدام عبر الجبال.
كان البرد قاسياً، وكدنا نتجمد.
لم أكن أفكر إلا بشيء واحد: إذا أعادوني إلى إيران فسأُسجن فوراً.
نحن فقط نحاول أن نبقى أحياء".
" حياتنا عالقة على الحدود"كذلك تقول شابة تبلغ من العمر 25 سنة من مشهد، كانت قد اعتُقلت سابقاً وأُفرج عنها بكفالة قبل أن تتعرض للتهديد مجدداً من أجهزة الأمن، إنها لجأت إلى إقليم كردستان العراق: " بعد الإفراج الموقت، كانوا يتصلون بي كل أسبوع ويهددونني.
قالوا إن اسمي موجود في ملف مجموعة أخرى، وقد أحصل على حكم ثقيل.
وعندما سمعت عن صدور أحكام إعدام في حق بعض المتظاهرين، قررت الفرار".
وتؤكد أنها لم تر عائلتها منذ أشهر: " أمي مريضة، لكن لا أستطيع العودة.
كلما سمعت صوتها أشعر بالذنب.
أشعر أنني لست هنا ولا هناك.
حياتنا كلها عالقة على الحدود".
وبحسب المعلومات المتداولة، يواجه كثير من هؤلاء الشباب أيضاً أزمة مالية حادة بعد خروجهم، إذ إن بعضهم أنفق كل مدخراته للهرب، ويعيش اليوم في دول الجوار من دون تصاريح عمل وفي ظروف معيشية صعبة.
أما طالب جامعي يبلغ من العمر 21 سنة من شيراز ويقيم حالياً في يريفان، فيقول إنه لا يستطيع كشف هويته خشية تعرض عائلته للضغط الأمني: " كنت طالباً وكانت حياتي مستقرة نسبياً، لكن الآن أعمل في غسل الصحون وأحياناً لا أملك ثمن الطعام.
ومع ذلك، أفضل البقاء هنا على العودة إلى سجن عادل آباد أو مواجهة الإعدام".
ويضيف أنه ما زال يحمل آثار إصابات جسدية: " اعتُقلت خلال احتجاجات يناير الماضي، واحتُجزت لأيام.
بعد الإفراج الموقت علمت أنهم يبحثون عني مجدداً، وأن اسمي ورد في ملفات مجموعة من المتظاهرين.
منذ ذلك الوقت قررت الهرب".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)يقول ناشطون مدنيون مقيمون داخل إيران لصحيفة" اندبندنت فارسية" إن السلطات الإيرانية كثفت خلال الأسابيع الأخيرة الضغط على عائلات المتظاهرين الذين غادروا البلاد.
ووفقاً لهذه التقارير، تعرض عدد من العائلات للاستجواب والتهديد بهدف إجبار أبنائها على العودة، كما تم في بعض الحالات تجميد خطوط الهاتف وحسابات مصرفية تعود إليهم.
ويقول مصدر مطلع في مدينة ساري: " باتت عائلات بعض هؤلاء الشباب عملياً رهائن.
عناصر الأمن يقولون لهم: إذا لم يعد ابنكم أو ابنتكم، سنفتح ملفات في حقكم أنتم، أو سنعتقل أبناءكم الآخرين".
وأثارت تقارير عن مصادرة واسعة لممتلكات معارضين ومتظاهرين قلقاً متزايداً، إذ أعلنت السلطات القضائية في عدد من المحافظات خلال الأيام الماضية عن تحديد ومصادرة أصول عشرات الأشخاص، بتهم تتعلق بـ" التعاون مع العدو" أو" العمل ضد أمن الدولة"، في خطوة تُعد جزءاً من سياسة ضغط شاملة تستهدف المعارضين داخل البلاد وخارجها.
وبالتوازي مع الخوف من الاعتقال أو الإعدام، يواجه كثير من هؤلاء الشباب أزمات نفسية حادة.
أحدهم، ويقيم حالياً في إسطنبول بعد مغادرته إيران، يقول إنه ما زال يستيقظ ليلاً على صوت اقتحام الأبواب: " أرى في منامي مراكز الاحتجاز كل ليلة.
وحتى الآن، كلما رأيت شرطياً يرتجف جسدي بالكامل.
هربنا من إيران، لكن آثار الصدمة والضغط النفسي بقيت معنا".
ويضيف" أحياناً أشعر أن مستقبلي انتهى بالكامل.
عمري فقط 24 سنة، لكنني أشعر وكأنني في سن الـ100.
لا أستطيع الدراسة، ولا العودة إلى المنزل، ولا حتى وضع أي خطة للمستقبل".
وعلى رغم هذه الظروف، يؤكد كثير من المتظاهرين أنهم لا يندمون على مشاركتهم في احتجاجات يناير الماضي.
أحدهم، الذي تمكن من الوصول إلى دبي عبر قوارب نقل تجارية من جنوب إيران، يقول لصحيفة" اندبندنت فارسية" إنه" لو عدت إلى تلك الأيام، فسأخرج إلى الشارع مرة أخرى.
كنا نريد فقط حياة طبيعية، أردنا ألا نعيش يومياً في خوف وإذلال وفقر وظلم.
الآن، على رغم أننا بعيدون عن وطننا، فإننا في الأقل أحياء.
إيران ستتحرر قريباً وسنعود جميعاً.
أنا أومن بذلك".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك