في بلدة «فيلسيك» الهادئة، بولاية «بافاريا» الألمانية، لا يدور الحديث هذه الأيام حول السياحة، أو الحياة الريفية الهادئة، بل حول مستقبل مدينة كاملة، اعتادت على الوجود الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأصبحت اليوم تواجه احتمال خسارة آلاف الوظائف، مع اتجاه الولايات المتحدة لسحب جزء من قواتها من ألمانيا، فالمدينة الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 6500 نسمة، تستضيف منذ عقود قوات أمريكية وقاعدة «روز باراكس» العسكرية، التي تتمركز فيها وحدات من الجيش الأمريكي، وعلى رأسها الفوج الثاني من فرسان «سترايكر»، وهو آخر لواء قتالي أمريكي دائم في ألمانيا.
ورصدت صحيفة «ميلاتري تايمز» حالة الترقب التي يعيشها سكان البلدة الألمانية، حيث أكدت أن قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب ما لا يقل عن خمسة آلاف جندي من الأراضي الألمانية، أعاد المخاوف القديمة إلى الواجهة، خاصة مع التوقعات بأن تكون وحدة «سترايكر» من بين القوات التي ستغادر البلدة، ونقلت عن تورستن جرادلر، رئيس بلدية «فيلسيك» الجديد، قوله إن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للقرار قد تكون «دراماتيكية»، خاصة أن القاعدة العسكرية تعد أكبر جهة توظيف في المنطقة الريفية المحيطة.
وأضاف رئيس البلدية أن البلدة أصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على النشاط المرتبط بالقوات الأمريكية، سواء من خلال الوظائف المباشرة، أو حركة الإنفاق، التي تنعش الحانات والمطاعم والمتاجر وورش السيارات ومحال السوبر ماركت، وأوضح أن سنوات الوجود العسكري الأمريكي الطويلة أوجدت نوعاً من الاعتماد الاقتصادي، قائلاً: «مدينتنا بأكملها تعتمد إلى حد كبير على منطقة التدريب العسكري في معيشتها».
«ميلاتري تايمز»: مخاوف اقتصادية وإنسانية بين سكان «فيلسيك» بعد قرار «ترامب» بسحب الجيش الأمريكي من ألمانياوبحسب الصحيفة الأمريكية المتخصصة في الشئون العسكرية، فقد جاء قرار «ترامب» بسحب الجنود الأمريكيين من ألمانيا في وقت تواصل فيه واشنطن الضغط على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي، وسط اتهامات أمريكية متكررة لحلفاء أوروبا بالاعتماد المفرط على الحماية العسكرية الأمريكية، وإهمال تطوير جيوشهم الوطنية، مشيرةً إلى أنه خلال الولاية الأولى للرئيس «ترامب» طُرحت بالفعل فكرة سحب فوج «سترايكر»، لكن إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، تراجعت عن الخطط لاحقاً.
ورغم ذلك، لا يزال سكان المدينة يأملون في ألا يتحقق الانسحاب هذه المرة، خاصة في ظل غياب إعلان رسمي نهائي بشأن الوحدات التي ستغادر، وعبّر رئيس البلدية عن ذلك بقوله: «لم يتم حتى الآن تأكيد سحب قوات سترايكر بشكل رسمي، لذلك ما زلت متمسكاً ببعض الأمل».
أما الحكومة الألمانية، التي رفعت إنفاقها العسكري بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، لإعادة بناء الجيش، بعد عقود من ضعف التمويل، فقد أكدت أن الحديث عن تقليص القوات الأمريكية لم يكن مفاجئاً تماماً، لكن التأثير لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل يمتد أيضاً إلى البعد الاجتماعي والثقافي، إذ إن الوجود الأمريكي أصبح جزءاً من الهوية اليومية للمدينة.
فمنذ عقود الحرب الباردة، كانت ألمانيا الغربية تستضيف ما يصل إلى 250 ألف جندي أمريكي، إلى جانب عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين، في إطار المواجهة مع الاتحاد السوفيتي السابق، وعندما سقط «جدار برلين» عام 1989، كانت ألمانيا تضم نحو 60% من القواعد الأمريكية المنتشرة خارج الولايات المتحدة، وتحولت بعض المدن الألمانية الصغيرة إلى ما يشبه «أمريكا المصغرة»، بما تضمه من مساكن ومراكز تسوق ومرافق ترفيهية، خاصة بالجنود الأمريكيين.
ورغم تراجع الأعداد حالياً إلى نحو 35 ألف جندي فقط، لا تزال القوات الأمريكية تترك أثراً واضحاً في الحياة اليومية داخل «فيلسيك» والمناطق المجاورة، فالجنود وعائلاتهم يرتادون المطاعم المحلية، ويتسوقون من المتاجر، ويشاركون في الأندية الرياضية وأنشطة السيارات، كما أصبح وجودهم جزءاً مألوفاً من المشهد العام.
ونقلت الصحيفة عن الرقيب في الجيش الأمريكي، روبرت مور، البالغ من العمر 31 عاماً، والذي يعيش بالقرب من المدينة منذ عام 2022، قوله إنه يشعر براحة كبيرة في ألمانيا، مضيفاً: «لا يوجد ما يدعو لعدم حب ألمانيا، الناس هنا ودودون ومحترمون، والأجواء آمنة للغاية»، أما السكان المحليون فينظر كثير منهم إلى احتمال رحيل الأمريكيين باعتباره خسارة إنسانية وعاطفية، وليس مجرد أزمة اقتصادية.
وعبر ألبين ميركل، وهو متقاعد يبلغ من العمر 66 عاماً ويؤجر شققاً للعسكريين الأمريكيين، عن موقف كثيرين من سكان البلدة، بقوله إن الأهالي كانوا في البداية قلقين من وصول قوات «سترايكر»، خوفاً من أن يكون الجنود «صاخبين أو عنيفين»، لكن التجربة أثبتت عكس ذلك، وأضاف: «كانوا لطفاء للغاية، وكنا دائماً نحقق أعمالاً جيدة معهم»، وأشار إلى أن القطارات المتجهة إلى مدينة «نورنبرج» القريبة، كانت تمتلئ مساءً بالجنود الشباب الباحثين عن الترفيه، بعد انتهاء الخدمة اليومية.
أما جوديث جورجياديس، البالغة من العمر 63 عاماً، والتي عملت 17 عاماً في إدارة القاعدة العسكرية، فقالت إن المدينة بدأت بالفعل تشعر بالهدوء والركود منذ تقليص القوات الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة، وأضافت: «في الثمانينات كانت الحياة هنا رائعة، كانت هناك حانات وملاهي وحياة ليلية نابضة»، لكنها أكدت أن القلق يسيطر حالياً على العاملين المرتبطين بالقوات الأمريكية، قائلة: «هناك خوف حقيقي بين الناس الذين يعملون مع الأمريكيين».
واعتبرت السيدة الألمانية أن السلطات المحلية أخطأت عندما سمحت باستمرار الاعتماد الكامل على الوجود العسكري الأمريكي، دون تنويع الاقتصاد المحلي، وأضافت في هذا الصدد: «عندما تكون شاباً هنا، فإما أن تعمل مع الأمريكيين، أو تغادر المدينة».
ولا يقتصر القلق على الموظفين فقط، بل يمتد أيضاً إلى أصحاب الأعمال، الذين بنوا نشاطهم بالكامل على خدمة الجنود الأمريكيين وعائلاتهم، وقال روبرت جراسيك، صاحب شركة لبيع السيارات للعسكريين الأمريكيين: «الكثير من رجال الأعمال هنا أسسوا أعمالهم اعتماداً بنسبة 100% على العملاء الأمريكيين»، ومع ذلك، فإن بعض السكان الأكبر سناً ينظرون إلى الأزمة الحالية باعتبارها امتداداً لمخاوف قديمة صاحبت المدينة لعقود طويلة.
وقالت بريندا هاتشينسون، البالغة من العمر 61 عاماً، التي تنتمي لعائلة نتجت عن زواج مختلط بين أمريكيين وألمان: «منذ كنت صغيرة، كان الحديث دائماً يتكرر عن احتمال رحيل الأمريكيين وإغلاق القاعدة»، وأضافت: «حتى أيام خدمة والدي في الجيش، كان الناس يتحدثون عن الأمر نفسه».
لكن هذه المرة، يبدو أن سكان «فيلسيك» يشعرون بأن الحديث القديم قد يتحول أخيراً إلى واقع، قد يغير وجه مدينتهم الصغيرة إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك