عمان ـ «القدس العربي»: تبدو الحكومة الأردنية ومنذ أسبوعين فقط في مرحلة الاستدراك لإظهار اهتمامها ببقاء حريات الانتخاب على مستوى أولا اللامركزية في الأطراف والمحافظات، وثانيا المجالس البلدية التي ستدخل بعد أقل من شهرين عامها الأول بعد تعطيل مسارها المنتخب الديمقراطي، رغم أن مجلس الوزراء وقبل نحو 9 أشهر قرر حل المجالس البلدية لمدة 6 أشهر فيما لم تلتزم الحكومة بالسقف الزمني الذي حددته.
الواقع الحقوقي اليوم يرى بوضوح بأن الحكومة بتعطيل مسار «الانتخابات البلدية» تمارس الاعتداء المباشر على حريات الانتخابات والتمثيل الديمقراطي والحريات العامة في الأردن.
وقد عبر بوضوح عن تلك الرؤية بيان مهم صدر بإسم «اللقاء الوطني للدفاع عن الحريات» الذي يمثل عدة مؤسسات مجتمع مدني وشخصيات مستقلة وأحزابا سياسية.
قال البيان: على الرغم من الخطاب الرسمي المتكرر بشأن الإصلاح السياسي وتحديث الحياة العامة، تشير الوقائع العملية إلى اتساع الفجوة بين النصوص الدستورية والتشريعية من جهة، والممارسات الفعلية من جهة أخرى، حيث سُجِّلت انتهاكات متكررة طالت الحريات السياسية والنقابية والإعلامية، إضافة إلى حلّ المجالس المحلية المنتخبة واستبدالها بمجالس مُعيّنة من دون مبررات قانونية واضحة، بما يشكّل اعتداءً صريحًا على الإرادة الشعبية.
واعتبر البيان «أن استمرار هذا النهج التشريعي والتطبيقي لا يمثّل مجرد تجاوزات إجرائية أو أخطاء في التطبيق، بل يشكّل مساسًا مباشرًا بالوظيفة الدستورية للحريات العامة، وإخلالًا بمبدأ سمو الدستور، وتقويضًا لدوره كمرجعية عليا حاكمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع.
كما ينعكس ذلك سلبًا على الثقة العامة بالدستور وبمبدأ سيادة القانون، ويُضعف الأسس الدستورية لأي مسار إصلاحي ديمقراطي».
قبل ذلك وتعليقا على قرار مجلس الوزراء «حل جميع المجالس البلدية المنتخبة» عبر رئيس بلدية إربد الكبرى سابقا – ثاني أكبر بلدية في المملكة بعد العاصمة – الدكتور نبيل الكوفحي عن شعوره بالصدمة للقرار قائلا في مداخلة شهيرة: تفاجأنا بحل المجالس البلدية ومجالس المحافظات -خيار المواطنين- من دون إكمال مدتها القانونية بمدة كبيرة وبدون مبررات مقبولة، وهي في ذروة عطائها واستكمال برامجها المرسومة.
وأضاف الكوفحي: وهذا يكرس ضعف الثقة بين المواطنين وحكوماتهم.
لسبب غير واضح حتى الآن، لم تعترض الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات على قرارات الحكومة الإدارية والسياسية بتأجيل استحقاق الانتخابات للبلديات لأكثر من عام، فيما لم تعترض أيضا على قرار حل المجالس البلدية.
ولسبب غير واضح وغير معلوم أيضا لا يتضمن سجل المركز الوطني لحقوق الإنسان وهو الذراع المكلف بمراقبة حقوق المواطنين وحرياتهم بما فيها الانتخابية أي إشارة من أي صنف تعترض على إجراءات الحكومة في تعطيل الانتخابات في العمل البلدي.
ولا توجد وفقا لمصادر داخل المركز إلا مذكرة داخلية ناقشت في إحدى الجلسات الموقف من تأجيل الانتخابات البلدية.
دون ذلك الأذرع المعنية دستوريا بملف الحريات العامة للمواطنين الأردنيين قررت لسبب سياسي على الأرجح ترك الحكومة الحالية برئاسة الدكتور جعفر حسان بعيدا عن أضواء الملاحقة والمساءلة أو حتى أضواء الاستفسار عندما يتعلق الأمر بالحد الأدنى من ممارسة المواطن الأردني لحقه في انتخاب مجالس بلدية وبموجب الدستور والقانون.
عمليا لا أحد على المستوى المحلي يعترض من مؤسسات الجسم المدني بما في ذلك الأحزاب السياسية الوسطية على إرجاء الانتخابات البلدية وتعطيل مجالس بلدية منتخبة لأكثر من عشرة أشهر من دون مبرر واضح أو مفهوم أو حتى مشروح.
باستثناء كتلة تمثل التيار الإسلامي في مجلس النواب لا مداخلات حتى بين النواب، الأمر الذي يؤشر ضمنا على أن ملف الحريات عندما يتعلق الأمر في الحق الانتخابي وحقوق التمثيل في الأطراف والمحافظات والمجالس البلدية خارج نطاق اهتمام النخب الموجودة.
بعض التقارير من منظمات إقليمية وأخرى دولية لاحظت مبكرا بان إرجاء انتخابات البلديات في الأردن بدون أسباب واضحة أو مشروحة من المؤشرات التي يقول الحقوقيون إنها تقع على عاتق الحكومة في تراجع المستوى العام للحريات في الأردن خلال العامين الأخيرين وهو ما ألمحت له بعمومية المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
مؤخرا ظهر الناطق الرسمي بإسم الحكومة الوزير محمد المومني وهو يتحدث عن احترام الحكومة لقيم الحريات العامة وبالأخص حريات الصحافة والتعبير في مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة.
دون ذلك لا إشارات من المسؤولين الكبار في الحكومة على حريات الانتخاب والتمثيل الحر والتي بقيت دوما مكفولة بموجب الدستور وأحكامه ونصوص القوانين كما قدر مبكرا الناشط الحقوقي عاصم العمري وهو يسأل عن ما إذا كانت الحكومة شرحت للرأي العام السبب الحقيقي وراء إرجاء انتخابات البلديات لمدة عام، لا بل وراء سيناريو تأجيلها لمدة عامين ما دامت الحكومة لا ترى أن قانون الإدارة المحلية الجديد يستحق دورة صيفية استثنائية للبرلمان لإقراره.
الغريب هو أن الرأي العام لا يبدو مهتما وليس مؤسسات المجتمع المدني فقط.
والأغرب أن الحكومة تؤجل استحقاقا انتخابيا يمس مباشرة حريات المواطنين الأردنيين بدون أن يرف لها جفن.
وأن مجلس النواب وهو الحارس الحقيقي للديمقراطية والممثل للشعب الأردني يتعامل مع المسألة وكأنها عرس عند الجيران.
وهو وضع ملتبس برأي العمري وآخرين، يحتاج إلى المزيد من وقفات التأمل تحت عنوان معرفة الأسباب الحقيقية، لكن المشكلة قد تكمن في عدم وجود أسباب جوهرية أو عميقة لإرجاء انتخابات البلديات.
ما حصل «اعتداء مباشر على حقوق المواطنين في التنظيم» وفقا لأحكام النص الدستوري وفقا للناشطة المختصة هدى باك، التي رأت مبكرا بأن المساس بحقوق التنظيم عبر الانتخابات لا ينتهي بكلفة على السلطات التي تمارس مثل ذلك التعسف.
ملف انتخابات البلديات الذي تم تأجيله بقرار إداري متعسف العام الماضي يبدو ملتبسا، لأن الحكومة بصدد إجراء المناورات السياسية والتشريعية والحزبية اللازمة لتمرير مشروع قانون معدل جديد للإدارة المحلية.
قالت الحكومة علنا إن مشروع القانون المشار إليه سيخضع لحوار وطني بسبب أهميته وأن تعديل القانون جزء من عملية تنموية أوسع نطاقا لها علاقة بالتمكين والتحديث الاقتصادي.
لكن الحكومة لم يسعفها الوقت مؤخرا في اللحاق بالدورة العادية الأخيرة للبرلمان التي تم حلها في الثلث الأخير من شهر نيسان/إبريل الماضي.
بالتالي خرج قانون الإدارة المحلية من دائرة الأولويات رغم أن الوزير المومني ألمح نهاية الأسبوع الماضي بأن الحكومة تدرس خيار عقد دورة استثنائية تخص قانون الإدارة المحلية بعد إعداده وإرساله بصياغته المعدلة إلى ديوان التشريع ثم اعتماده من مجلس الوزراء لتمريره إلى مجلس النواب.
لا توجد عوارض علنية أو ملامح واضحة لنصوص قانون الإدارة المحلية الجديد.
لكن هذا القانون «مهم جدا» برأي الناشط المدني عباس فؤاد الذي يرى بأن عنوان حقوق وحريات المواطنين في انتخاب ممثليهم وبالتالي معيار التزام الدولة والمؤسسات بمعايير الحريات، مسائل تقاس من حيث المبدأ من تجربة اللامركزية في الأطراف والمحافظات.
وتقاس من حيث فهم كيفية آليات اتخاذ القرار في مجالس البلديات المنتخبة تحديدا والتي ينبغي ان تخضع لمعايير قانونية يراقبها الناخب في المقام الأول.
لكن الحكومة وفقا لفؤاد قد لا تكون مؤمنة بذلك في هذه المرحلة على الأقل وما تسرب من حيثيات القانون تعميم تجربة «التعيين» على رؤساء بلديات كبرى في المنطقة ما يشكل حالة سطو على حق الأردنيين في اختيار من يترأسون بلدياتهم.
ما حصل فيما يخص قانون الإدارة المحلية مثير للتساؤلات.
قبل نحو 7 أشهر تقريبا قررت الحكومة فجأة حل جميع مجالس البلدية في البلاد.
واستعاضت عنها بتشكيل لجان لإدارة المجالس البلدية بعد حل المجالس المنتخبة.
ثم سقطت بعض اللجان المعينة في الاختبار الأول في الموسم الشتوي الأخير وسجلت ملاحظات بالجملة على نظام الخدمات.
لكن حماس الحكومة الفاتر لانعقاد دورة استثنائية وللتعامل مع قانون الإدارة المحلية الجديد باعتباره محطة تشريعية أساسية يزيد في مستوى الالتباس، لأن عدم إقرار القانون الجديد للإدارة المحلية يعني أن مجالس البلديات الأردنية تدار من قبل لجان موظفين تشوبها العديد من علامات الاستفهام والتساؤلات وليس من قبل مجالس منتخبة كما ينص القانون ويوحي الدستور.
هنا حصرا قد تلجأ الحكومة إلى الاستدراك والإيحاء بأن خياراتها تتضمن حقوق الناخبين في المجالس البلدية والمحافظات في اختيار ممثليهم باستثناء العاصمة عمان في طبيعة الحال، حيث يختار رئيس البلدية من قبل الحكومة وليس بالاقتراع المباشر في واحدة من سلبيات الإدارة غير الحصيفة والتي لا تثق حتى الآن برأي الناشط فؤاد وآخرين بقدرة المواطن الأردني على اختيار ممثلين يكون مسؤولا عن اختيارهم ويستطيع محاسبتهم ومعاقبتهم إذا ما أخفقوا في تقديم الخدمات كما وعدوا الناخب.
ملف الانتخابات البلدية ملف سياسي وأحيانا يتم التعامل معه باعتباره ملفا أمنيا.
لكن الحكومة تقول إنها تبحث عن صيغ لتطوير العمل الديمقراطي بمعنى تطوير خدمات القطاع العام عبر خيارات التمثيل والانتخاب في المجالس البلدية.
تلك الصيغ لا تزال مجهولة مع أن الوثائق المرجعية فيما يتعلق بالعمل البلدي والانتخابات البلدية والإدارة المحلية موجودة ومتاحة بإسم اللجان الملكية الاستشارية حيث ترأس لجنة معنية بالإدارة المحلية بشكل خاص ذات وزير الإدارة المحلية الحالي في الحكومة المهندس وليد المصري أحد أبرز الفاعلين في ملف حريات الانتخابات البلدية.
الغريب أن لجنة المصري وضعت التوصيات والعديد من البنود ويمكن للحكومة ما دامت في عدد لا يستهان به من وزرائها تمثل اللجان الاستشارية التي وضعت الوثائق التحديثية المرجعية، اللجوء لوصفات جاهزة وموجودة ولا تحتاج لتوافقات لا على مستوى الحوار الوطني ولا على مستوى الخبراء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك