الاحترافية لا تبدأ في الملعب، بل تبدأ من خلف المكاتب، حيث تصنع الرؤى وتدار التفاصيل.
من هنا أتت مبادرة سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، رئيس الهيئة العامة للرياضة، رئيس اللجنة الأولمبية البحرينية، في إطلاق برنامج تطوير الرياضة البحرينية “تطلعات”؛ بهدف تطوير العمل المؤسسي في الأندية الرياضية الوطنية، ورفع كفاءة كوادرها الإدارية والفنية.
لا يمكن بناء استراتيجية تطويرية دون الوقوف على التحديات الثلاث التي تواجه الأندية البحرينية، وهي: الحوكمة، والتحديات المالية والفنية.
ويتمثل التحدي الأول في غياب الهياكل التنظيمية الواضحة، والاعتماد على الإدارة التطوعية غير المتفرغة، ما يؤدي إلى تداخل الاختصاصات وضعف الرقابة الداخلية.
وتتمثل التحديات المالية في الاعتماد المفرط على الدعم الحكومي، وغياب استراتيجيات الاستثمار الرياضي المبتكرة، ما يخلق عجزا مزمنا يحد من قدرة الأندية على التوسع.
والتحدي الأخطر هو التحديات الفنية، التي تتمثل في غياب مسارات واضحة لتطوير المواهب الرياضية والاعتماد على النتائج اللحظية بدلاً من البناء الاستراتيجي للمراحل السنية.
لتطوير الكوادر وتعزيز الاحترافية في الأندية الوطنية، يجب العمل على أربعة محاور تكاملية، وهي أولاً: هيكلة الحوكمة، عبر تبني الأندية “ميثاق حوكمة” صارم يفصل بين الإدارة الاستراتيجية (مجلس الإدارة) والإدارة التنفيذية.
ثانيا: الاستثمار في رأس المال البشري، فالكفاءات هي المحرك الحقيقي للرياضة، والحل لا يكمن فقط في التوظيف، بل في سن قوانين تفرض توظيف الكفاءات الإدارية المؤهلة، عبر الاستفادة من خريجي الاكاديمية الأولمبية البحرينية، التي تُخرج كوادر إدارية متخصصة في إدارة المؤسسات الرياضية، وقادرة على وضع الخطط الفنية طويلة المدى للأندية، ما يضمن استمرارية الفكر الفني بغض النظر عن تغير المدربين.
وللعلم، هناك العشرات من الكفاءات الإدارية خريجي الاكاديمية الأولمبية البحرينية لا تُعطى الفرصة للعمل في الأندية الرياضية.
ومع تطور الأعمال المالية والاستثمار، أصبح من المهم جدا الاستفادة من برامج معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية (BIBF)، كونه مركزا عالميا في التدريب المالي والإداري، يمكن عن طريقه إعداد كوادر بحرينية متخصصة في مجالات تعزيز الحوكمة والاستدامة المالية، عبر تصميم دورات متخصصة لأعضاء مجالس الأندية بشأن “المسؤولية القانونية والمالية” وتدريبهم على كيفية صياغة السياسات المالية الداخلية، وكيفية إعداد دراسات الجدوى للمشروعات الاستثمارية وتعليمهم مهارات “التفاوض التجاري” مع الشركات الراعية وكيفية تقييم العلامة التجارية للنادي ماليا وتأهيل الموظفين الماليين في الأندية وإكسابهم مهارات التدقيق الداخلي والرقابة المالية.
إن إطلاق برنامج “تطلعات” ليس مجرد إضافة لمسيرة المبادرات الرياضية، بل هو “إعلان عبور” رسمي نحو مرحلة قوامها الكفاءة ومحركها الابتكار.
إن نجاح هذا الطموح الوطني يتوقف على حزم الهيئة العامة للرياضة في تطبيق هذه الإصلاحات ومدى إيمان الأندية الوطنية بأن التحول نحو الحوكمة والاحتراف الإداري ليس عبئا تنظيما، بل هو طوق النجاة والسبيل الوحيد لتحقيق الاستدامة المالية والتميز الفني.
* باحث في الإدارة الرياضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك