في إيران، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة خارجية أو أزمة أمنية عابرة، بل تتحول تدريجيًا إلى أداة لإدارة الداخل ومنع الانفجار الشعبي.
فكلما تصاعدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عاد النظام الإيراني إلى سياسة التوتر والتعبئة الأمنية، باعتبارها إحدى وسائل إعادة إنتاج السيطرة وإطالة عمر السلطة.
هذا ما تعكسه بوضوح موجة الإعدامات الأخيرة التي شهدتها البلاد بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.
ففي 4 أيار (مايو) 2026، نفذت السلطات الإيرانية أحكام الإعدام بحق ثلاثة سجناء في مدينة مشهد، هم مهدي رسولي ومحمد رضا ميري وإبراهيم دولت آبادي، بعد اتهامهم بالمشاركة في قتل عناصر من قوات الباسيج خلال الاحتجاجات.
لكن هذه الإعدامات، وفق تقديرات حقوقية وسياسية، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد إجراء قضائي تقليدي، بل باعتبارها رسالة سياسية وأمنية موجهة إلى الداخل الإيراني في لحظة يشعر فيها النظام بتزايد الهشاشة والخوف من عودة الاحتجاجات الشعبية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحدثت تقارير حقوقية ومعارضون إيرانيون عن تصاعد واضح في استخدام أحكام الإعدام، بالتوازي مع أجواء الحرب والتوتر الإقليمي.
ويبدو أن الهدف لم يعد مقتصرًا على معاقبة المعارضين، بل بات يرتبط بمحاولة منع عودة الاحتجاجات المنظمة واحتواء ما تصفه السلطات بـ" الشبكات المتمردة" داخل المجتمع الإيراني.
غير أن اللافت في المرحلة الحالية لا يقتصر على تصاعد القمع، بل يشمل أيضًا طبيعة الخطاب الصادر عن شخصيات محسوبة على النظام، والتي باتت تربط بصورة مباشرة بين استمرار الصراع وبقاء السلطة.
فقد نقلت وسائل إعلام رسمية عن غلام رضا قاسميان قوله إن" الله أراد لنا هذه الحرب"، في تعبير يعكس رؤية تعتبر الحرب جزءًا من شروط بقاء النظام، لا مجرد ظرف استثنائي مفروض عليه.
والأكثر دلالة أن قاسميان عبّر صراحة عن أسفه لوقف إطلاق النار المؤقت، معتبرًا أن إيران" تتحدد في هذه الحروب"، وأن حالة" لا حرب ولا سلم" لا تحقق مكاسب للنظام.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد انفعالات سياسية، بل باعتبارها انعكاسًا لعقيدة أمنية وسياسية راسخة داخل النظام الإيراني، تقوم على توظيف الأزمات الخارجية في ضبط الداخل وإعادة تعبئة القاعدة المؤيدة للسلطة.
هذه المقاربة ليست جديدة في التجربة الإيرانية.
فقد سبق لجواد منصوري، أحد مؤسسي الحرس الثوري الإيراني، أن تحدث بصورة واضحة عن الدور الذي لعبته الحرب العراقية ـ الإيرانية في تثبيت النظام بعد الثورة.
وأقرّ بأن الحرب منحت السلطة فرصة لإعادة تنظيم مؤسساتها، وإضعاف خصومها الداخليين، وتعزيز شرعيتها تحت شعار" الدفاع عن الثورة".
ومن هنا، تبدو الحرب في العقل السياسي للنظام الإيراني أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إنها وسيلة حكم أيضًا.
فكلما تصاعدت الأزمات الداخلية، عاد النظام إلى منطق" الحصار والمؤامرة" لتبرير توسيع القبضة الأمنية وتقليص المجال السياسي تحت عنوان حماية الأمن القومي.
وفي هذا السياق، تبدو الإعدامات الأخيرة جزءًا من سياسة استباقية تهدف إلى ردع أي موجة احتجاج جديدة، خصوصًا في ظل استمرار الانهيار الاقتصادي واتساع الفجوة الاجتماعية وتصاعد الغضب الشعبي في مختلف المدن الإيرانية.
فالسلطات الإيرانية تدرك أن المجتمع يعيش حالة إنهاك غير مسبوقة نتيجة التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وانهيار الخدمات الأساسية، إضافة إلى الشعور المتزايد بانسداد الأفق السياسي.
كما أن الانتفاضات التي شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة تركت آثارًا عميقة داخل المجتمع وأجهزة السلطة معًا، بالرغم من نجاح النظام في احتوائها أمنيًا بصورة مؤقتة.
وفي المقابل، تطرح المعارضة الإيرانية، وخصوصًا قوى المقاومة المنظمة داخل البلاد وخارجها، رؤية مختلفة لمسار الأزمة.
ففي كلمة ألقتها خلال مؤتمر في البرلمان الأوروبي، أكدت السيدة مريم رجوي أن الحركة دعت منذ بداية الحرب الأخيرة إلى" السلام والحرية"، ورحبت بوقف إطلاق النار، معتبرة أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق من دون تغيير سياسي جذري ينهي الحكم الديني ويؤسس لجمهورية ديمقراطية.
ويعكس هذا التناقض جوهر الصراع القائم اليوم داخل إيران.
فمن جهة، هناك سلطة ترى في استمرار التوتر والأزمات وسيلة لحماية بقائها.
ومن جهة أخرى، تتصاعد داخل المجتمع الإيراني أصوات تربط الاستقرار الحقيقي بإنهاء حالة القمع وفتح المجال أمام الحريات والمشاركة السياسية.
وبالرغم من أن النظام الإيراني لا يزال يمتلك أدوات أمنية وعسكرية واسعة، فإن المؤشرات المتراكمة توحي بأن كلفة هذا النموذج ترتفع بصورة متسارعة.
فالإعدامات، والتصعيد الأمني، وتوسيع الصراعات الخارجية، قد تؤجل الانفجار لبعض الوقت، لكنها لا تعالج الأسباب العميقة للأزمة.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت سياسة القمع والحروب قادرة على تأجيل الانفجار، بل إلى متى يستطيع نظام يعيش على إدارة الأزمات أن يمنع لحظة الانفجار الكبرى داخل مجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك