إيلاف من بغداد: أعلنت ثلاثة فصائل عراقية مسلحة، خلال الأيام القليلة الماضية، عن نيتها تسليم إدارة ألويتها العسكرية المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي إلى الدولة العراقية، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والاقتصادية المكثفة التي تمارسها واشنطن على بغداد لضبط سلاح المجموعات المقربة من طهران.
ويأتي هذا التحول في وقت تكتسب فيه الولايات المتحدة نقاطاً استراتيجية متقدمة في المشهد العراقي، مقابل تراجع ملحوظ في النفوذ الإقليمي الإيراني منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس عام 2023، وما تلاها من الحرب الإسرائيلية الأولى ضد إيران عام 2025، ثم الحرب الثانية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير الماضي وطالت شظاياها وتداعياتها العمق العراقي.
وفي إطار هذا الانفصال العسكري، أكدت كتائب" الإمام علي"، يوم الثلاثاء الماضي، فك ارتباطها رسمياً بتشكيلات الحشد الشعبي، مشددة على حصر السلاح بيد الدولة ودمج أفرادها بالكامل في المؤسسات الأمنية الرسمية.
كما أعلن فصيل" عصائب أهل الحق" المسلح، بزعامة قيس الخزعلي الخاضع لعقوبات أميركية وهو أحد قادة الإطار التنسيقي صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان، تسليم السلاح والارتباط المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية.
وسارت" سرايا السلام" التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر على النهج ذاته مؤكدة الخطوة نفسها.
وكانت عصائب أهل الحق قد عززت نفوذها السياسي إثر فوزها بـ 27 مقعداً في الانتخابات النيابية الأخيرة، حيث لوحظ ابتعادها التدريجي عن أجندة طهران العسكرية، ممتنعة عن المشاركة في الحرب الأخيرة وفقاً لمصادر مقربة من الفصائل.
وفي المقابل، أبدت المجموعات الأكثر نفوذاً والوثيقة الصلة بطهران تمسكاً قاطعاً بترسانتها العسكرية، وفي مقدمتها" كتائب حزب الله" و" حركة النجباء" و" كتائب سيد الشهداء"، وهي فصائل قضى العشرات من قيادييها ومقاتليها بضربات جوية أميركية في السنوات الأخيرة؛ بل إن كتائب حزب الله أعربت علناً عن استعدادها لشراء سلاح المجموعات التي قررت التخلي عن أسلحتها وتسليمها للدولة.
وتكشف الكواليس السياسية، بحسب مصدر مطلع مقرب من الفصائل، أن عصائب أهل الحق باتت تعتبر العمل السياسي والتواجد في السلطة التنفيذية أكثر أهمية من القتال في المرحلة الراهنة، رغبة منها في تقديم تطمينات مباشرة للولايات المتحدة، لا سيما مع استمرار المفاوضات المعقدة لحسم 9 حقائب وزارية لا تزال شاغرة في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي من أصل 23 حقيبة، وأبرزها وزارتا الداخلية والدفاع.
ومن جانبه، يرى محلل الشؤون العراقية تامر بدوي أن إثبات جدية هذه المبادرة يتطلب خضوعها لتدقيق صارم تشرف عليه الحكومة والجهات الفاعلة غير الحكومية، وإلا ستبقى جزءاً من مشاكل هيكلية أوسع تؤثر على قطاع الأمن، موضحاً أن واشنطن تريد رؤية نتائج ملموسة، في حين تسعى إيران إلى كسب أكبر قدر من الوقت لحلفائها ولن تسمح بنزع سلاح المجموعات المحلية بالقوة، وهو خيار لا تدرسه الحكومة الحالية.
وأشار قيادي في العصائب إلى أن واشنطن تضغط لتسليم المسيرات والصواريخ البالية لقدرتها على استهداف إسرائيل، مستدركاً بأن الفصيل يؤيد حصر السلاح بما يحقق أمن الدولة العراقية لا أمن تل أبيب.
وكان مسؤول أميركي قد أوضح الشهر الماضي أن الإدارة الأميركية تشترط إجراءات ملموسة من الزيدي لإبعاد الفصائل عن مؤسسات الدولة قبل استئناف المساعدات، في وقت يتطلع فيه الزيدي، وهو رجل أعمال وشخصية مصرفية بارزة، إلى جذب استثمارات ومشاريع خدمية كبرى من الشركات الأميركية بدعم من الإطار التنسيقي الذي رشحه للمنصب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك