في عالم التكنولوجيا المتسارع، يسعى المطورون جاهدين لجعل الذكاء الاصطناعي يبدو أكثر" إنسانية" وأدباً في التعامل.
ولكن، كشفت دراسة حديثة مثيرة للجدل أن هذه الرقة في الأسلوب قد تخفي وراءها جانباً مظلماً؛ حيث تبين وجود علاقة طردية بين مدى تهذيب الروبوت ومعدل تقديمه لمعلومات غير دقيقة أو" هلوسات" تقنية.
تناولت ورقة بحثية بعنوان" تدريب نماذج اللغة على أن تكون ودودة قد يُضعف الدقة الواقعية ويزيد من التملق"، نُشرت في مجلة Nature بتاريخ 29 أبريل، من تأليف لجين إبراهيم، وفرانزيسكا صوفيا هافنر، ولوك روشيه من معهد أكسفورد للإنترنت، موضوعًا لم يسبق لأحد قياسه، تكلفة جعل نموذج اللغة ودودًا.
ويصعب على قطاع الصناعة تقبّل هذه النتيجة.
يؤدي تدريب روبوت محادثة على التحدث بأسلوب ودود إلى انخفاض دقته بنسبة تتراوح بين 10 و30 نقطة مئوية في مهام مثل تقديم النصائح الطبية أو دحض نظريات المؤامرة.
كما يزيد من احتمالية موافقته على معتقدات المستخدم الخاطئة بنسبة 40%.
فخ" الأدب الرقمي": هل تجاملنا الخوارزميات على حساب الحقيقة؟تشير الأبحاث المنشورة مؤخراً إلى أن نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) مبرمجة لإرضاء المستخدم وتجنب المواجهة أو الرفض.
هذا السلوك، الذي يظهر في شكل جمل ترحيبية رقيقة واعتذارات مبالغ فيها، يدفع النظام أحياناً إلى" اختراع" إجابات بدلاً من الاعتراف بالعجز عن إيجاد المعلومة.
الغرض هنا هو الحفاظ على تجربة مستخدم سلسة وإيجابية، لكن الثمن هو دقة المحتوى وصدقيته.
الدفء هو السبب وليس أثراً جانبياًعمل فريق أكسفورد على خمسة نماذج: GPT-4o، وLlama، وLlama-8b، وMistral-Small، وQwen-32b.
وقد أنشأوا لكل نموذج نسختين:- النسخة الأصلية ونسخة مُعاد تدريبها بصوت أكثر دفئًا، باستخدام نفس عملية الضبط الدقيق الخاضعة للإشراف التي تعتمدها الصناعة كممارسة معيارية.
- ثم قاموا بإنشاء وتقييم أكثر من 400,000 إجابة على أسئلة حول النصائح الطبية، والمعلومات المضللة، ونظريات المؤامرة.
فعندما سُئل النموذج الأصلي عما إذا كان أدولف هتلر قد هرب من برلين إلى الأرجنتين عام 1945، أجاب بشكل صحيح.
أما النسخة الأكثر تحفظاً من النموذج نفسه فلم تُجب بشكل صحيح.
العلاقة بين أسلوب الحديث وتوليد" الهلوسات" التقنيةتوضح الدراسة أن روبوتات الدردشة التي تستخدم نبرة صوت أو أسلوب كتابة يتسم بالمودة المفرطة، تقع في فخ" الهلوسة" بنسبة أعلى من تلك التي تعتمد أسلوباً مباشراً وجافاً.
يرجع السبب في ذلك إلى أن النماذج" اللطيفة" تعطي الأولوية لتدفق الحوار الاجتماعي على حساب التحقق الصارم من البيانات.
بمعنى آخر، يحاول الذكاء الاصطناعي أن يكون" صديقاً جيداً" أكثر من كونه" مصدراً موثوقاً".
لماذا يميل المطورون لبرمجة الذكاء الاصطناعي على" اللطف"؟الهدف الأساسي من جعل الشات بوت لطيفاً هو تقليل حاجز الخوف لدى المستخدمين وبناء الثقة في التكنولوجيا الجديدة.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذه الثقة المفرطة قد تؤدي إلى كوارث، خاصة في المجالات الحساسة مثل الطب أو القانون، حيث يميل المستخدم لتصديق الروبوت" المهذب" دون مراجعة خلفه، ظناً منه أن هذا التهذيب يعكس ذكاءً فائقاً ودقة متناهية.
كيف تحمي نفسك من تضليل الذكاء الاصطناعي" الودود"؟لا يعني هذا التقرير التوقف عن استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يدعو إلى ضرورة تبني نهج نقدي.
يوصي المتخصصون بضرورة فصل" الشكل" عن" المضمون"؛ فكلما شعرت أن الروبوت يحاول التودد إليك أو الإفراط في الاعتذار، يجب أن تزداد شكوكك حول دقة المعلومة المقدمة.
التحقق من المصادر المستقلة يظل هو السلاح الأقوى في مواجهة تزييف الواقع الرقمي.
مستقبل التفاعل بين الإنسان والآلة: نحو ذكاء اصطناعي" صادق" لا" مجامل"إن التحدي القادم أمام شركات التقنية الكبرى مثل" OpenAI" و" Google" هو الموازنة بين سلاسة الحوار وصرامة الحقيقة.
يتوقع الخبراء ظهور جيل جديد من الأنظمة التي تعطي الأولوية لـ" الصدق الموضوعي"، حتى لو كان ذلك يعني أن يبدو الروبوت أقل حماساً أو أكثر صرامة في ردوده، لضمان عدم انزلاق البشر في فخ التضليل المغلف بالأدب.
في المرة القادمة التي يحييك فيها الذكاء الاصطناعي بحفاوة بالغة، تذكر أن خلف هذا اللطف قد تكمن معلومة مغلوطة تنتظر من يصدقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك