حين تلقى عبارة نزع السلاح في أروقة الدبلوماسية الدولية، يتبادر إلى الذهن مشهد جيش عرمرم، يمتلك الترسانات النووية والأساطيل البحرية والجوية، وتقف أمامه قوى الخير لتحمي العالم من حرب عالمية ثالثة قد تؤدي إلى دمار شامل.
هذا المصطلح يصاغ بلغة تمنح المعتدي هالة الشرطي الأخلاقي الذي يسعى لقص أجنحة وحش كاسر يفتك بالأرض.
لكن خلف هذا الستار الخطابي، تكمن حقيقة مغايرة تماما؛ حقيقة شعب مكلوم سرقت أرضه عام 1948، وما زال يعيش في آخر شظايا وطنه محاصرا مقهورا ومستهدفا بتطهير عرقي لم يتوقف نبضه يوما، ورد فعله الوحيد هو ممارسة حقه الشرعي في مقاومة محتله بأسلحته البسيطة.
بمراجعة صفحات التاريخ، لا نجد حركة تحرر ألقت سلاحها فنال شعبها حريته، بل نجد مجازر ترتكب وشعوبا تمسح من الخارطة حين تفقد وسيلة ردعهاومن رحم هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع، يبرز أن تحليل ديناميات المواجهة الراهنة يتطلب غوصا في مفهوم العنف البنيوي الذي تعرض له قطاع غزة طوال سنوات من الحصار الشامل.
فمن منظور دراسات الصراع، لا يقتصر العنف على أزيز الرصاص المباشر، بل يمتد ليشمل الأنظمة والسياسات التي تعيق حياة الأفراد وتمنعهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية.
بهذا المعنى، فإن الحصار الممتد حوّل غزة إلى بيئة غير صالحة للحياة، ودفع الصراع نحو مستويات أكثر تعقيدا، فارتقى من مجرد تنافس على الموارد إلى صراع وجودي، يسعى فيه الطرف الأضعف لتحطيم البنية الإدارية التي فرضت عليه حالة من الموت السريري السياسي.
وفي هذا الإطار، يبرز حدث السابع من أكتوبر/تشرين الأول كفعل يسعى لكسر قواعد اللعبة، متجاوزا حسابات الفاعل العقلاني الذي يبحث عن استقرار مادي، إلى منطق الفاعل المكرس الذي يمنح الأولوية للقيم الهوياتية والسياسية الكبرى على الحسابات المادية والكلفة والمنفعة.
هذا التحول في السلوك النضالي يضعنا أمام تساؤل جوهري ومصيري: ماذا يعني نزع السلاح في القاموس الاستعماري؟هل يقصدون به حظر المقاومة؟ فكما نعلم المقاومة لم تكن يوما مسموحة في شرائعهم! أم يقصدون به إنهاء الحصار؟ كلنا يدرك أن غزة لم تذق طعم الحرية بعد أوسلو، بل ظلت تخضع لاحتلال رخيص يسيطر على الأنفاس ويتحكم في المداخل والمخارج دون تحمل أدنى تكلفة إدارية أو أخلاقية للاحتلال.
تبرز مأساة سربرنيتسا (1995) كشاهد أبدي على غدر الضمانات الدولية؛ حين سلم السلاح مقابل منطقة آمنة، فكانت النتيجة إبادة ثمانية آلاف إنسانمن قراءة الميدان يمكننا الإجابة عن السؤال بأن نزع السلاح هو الاسم الحركي للفوضى الخلاقة، التي سيبثونها بتفجير القنبلة الديمغرافية من الداخل عبر تجريد المجتمع من أدوات حمايته الذاتية؛ وعليه يبدو أن الخطة المبيتة تتجاوز مجرد تجريد المقاتل من بندقيته إلى محاولة استبداله بمليشيات عميلة تبيد شعب غزة بلا رحمة أو شفقة، في محاكاة دراماتيكية لمذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982؛ ليقف المحتل بعدها ببراءة زائفة، معلنا أنها حرب أهلية لا يد له فيها، وربما يقدمون أدواتهم القذرة للمحاكم الدولية كأكباش فداء بعد انتهاء المهمة.
وبمراجعة صفحات التاريخ، لا نجد حركة تحرر ألقت سلاحها فنال شعبها حريته، بل نجد مجازر ترتكب وشعوبا تمسح من الخارطة حين تفقد وسيلة ردعها.
وهنا تبرز مأساة سربرنيتسا (1995) كشاهد أبدي على غدر الضمانات الدولية؛ حين سلم السلاح مقابل منطقة آمنة، فكانت النتيجة إبادة 8 آلاف إنسان أمام أعين القوات الدولية.
وعلى المنوال ذاته، جاءت اتفاقيات أروشا في رواندا (1993) لتمهد الطريق لإبادة 800 ألف إنسان نتيجة الاسترخاء الأمني الناتج عن وعود السلام الهشة.
إن هذه الأمثلة الصارخة تؤكد أن الكارثة لا تكمن في فعل التسليم كإجراء تقني، بل فيما ينتج عنه من فقدان الفاعلية؛ حيث يتحول الشعب من فاعل يحاول أن يقرر مصيره، إلى مفعول به يتحكم في مصيره مجرم صهيوني.
من جهة أخرى، تطرح مقاربة صهيونية تربط تنفيذ إعادة الإعمار وتحقيق السلام والازدهار الاقتصادي بشرط مسبق وهو نزع السلاح، باعتبار أن تدفق المساعدات وتحسين الظروف المعيشية يمكن أن يشكلا بديلا عن استمرار الصراع.
السيادة الحقيقية تبدأ من امتلاك القدرة على حماية الوجود، وأي إعمار لا يحميه سلاح الصمود هو مجرد طلاء على جدران زنزانة كبرى تنتظر هدمها القادملكن التدقيق في أدبيات تفكيك الاستعمار يكشف زيف هذه الادعاءات؛ إذ يحذر الباحثون مما يسمى بالسلام النيوليبرالي؛ وهو فخ القبول بحوافز مالية وإعمار مقابل التنازل عن الحقوق السياسية الثابتة.
إن هذا النوع من الإعمار يتحول لاحقا إلى قيد مكبل يمنع الشعب من المطالبة بسيادته خشية تدمير ما تم بناؤه بأموال المنح.
وإذا أردنا نموذجا حيا من واقعنا الفلسطيني، فإن الوعود بسنغافورة غزة هي مجرد أصداء لوعود واهية يكذبها الواقع المرير في الضفة الغربية؛ حيث لم يؤد غياب السلاح إلى تحقيق استقرار سياسي أو تنمية اقتصادية مستقلة، بل تزامن مع توسع الاستيطان واستمرار القيود على الأرض والموارد.
وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول مدى واقعية الربط بين نزع السلاح والازدهار الاقتصادي!ختاما، نحن لا نطلب من العالم تبرعاته لبناء ما دمره المحتل، فنحن قادرون على بناء وطننا بأيدينا وبكرامتنا.
ما نطلبه من الضمير العالمي هو نزع سلاح هذا المحتل المجرم الذي يمارس الإبادة ضد المدنيين العزل منذ عامين بلا حسيب.
إن السيادة الحقيقية تبدأ من امتلاك القدرة على حماية الوجود، وأي إعمار لا يحميه سلاح الصمود هو مجرد طلاء على جدران زنزانة كبرى تنتظر هدمها القادم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك