الحرف والكلمة لهما سلطان وأثر، وهذا معروف في تاريخ البشر، فبهما أهتدى المُهتدون، وضلَّ الضالُّون، والحرف يصنع الكلمة، والكلمة تُشكّل الكلام، والكلام يتوالى منه طرائق الأفهام.
الحَرْفُ في اللُّغة العربيَّة أَداة تُسمى الرابِطةَ لأَنها تَرْبُطُ الأسمَ بالأسم والفعلَ بالفعل، كمثل عن وعلى ونحوهما، والحرف هو الذي يبني الكلمة ويفرق معناها عن غيرها، وهناك دلالات أُخرى للحرْفِ بمعنى طَرف وشفِيره وحَدُّه، وبهذا يكون حَرْفُ الجبل أي أَعْلاه الـمُحدَّدُ.
ومعنى آخر للحرْفِ يُقصد ناحِيَتُه كما يُقال فلان على حَرْف من أَمْره أَي ناحية منه كأَنه ينتظر ويتوقَّعُ، فإن رأَى من ناحية ما يُحِبُّ، وإلا مال إلى غيرها، ومنها إذا وصف الإنسان أنه على حَرْف أَي أنه على شَكّ.
أما الكلمة وجمعها كلمات وكَلِم، فهي اللفظ المدرك سواء بالسمع، أو مُدرك بالبصر، والكلمات المنظومة تفيد بتوصيل الكلام ومعناه.
لهذا الحرف والكلمة لهما سلطان واثر، والدراية بأهميتهما ذا قيمة على أفهام البشر.
والأحرف والكلمات باختلاف الألسن هي أداة تواصل ويتم عبرهما التبادل والتراسل.
الحرف إما يقرب الصِلَة ويزيد، او يُحدث جفوة وتبعيد، وإذا أظهر الحرف ما يعيب، أو كشف مخبئ عَلَن وترويج يكون الحرف مقص، ويحدث جرح ويقتص ليبلغ ألمه للقارئ والسامع أو غير القانع وكذلك الطامع.
والكلمة بحرها فيه أمواج وفيها اِستقامة واِعوجاج، إما تدفع صاحبها إلى بر الأمان وترويه اطمئنان أو تغرقه بأثرها الفتّان.
وهي كذلك في ثقلها حين تُجبِر على حمل ما لا يُحمل.
الحرف والكلمة لهما خوافي، وقوة قوادم، وقد يُثيرا عوامل حقد لا يبرأ جُرح أوجبه ما قيل، وهما باب للمعرفة والحرية والسلام، او الكذب والتدليس ونشر العدوات بين الأنام، والخشية أن غبار الكلام يوارى الرؤية حيث تختلط الأفهام، فتحبس الأنفاس إذا كثر الملام.
ساعتها يعلو الغضب وتجف الأقلام مترقبا هدير الكلام والتوعد والانقسام والمستقبل المجهول والآلام.
الحرف يهدي الإنسان حينما يتعلمه ويرتويه، او يُشيطنه ويؤذيه وكلّ هذا يُحار به البشر حتى النمل والشجر إذا أنحرف صاحب الحرف مدَّ ظلم وأذى وضرر.
البشر هو صانع الحرف والكلمة، وبهما يبلغ حضارته ويرسل قيمه ودعوته، والزمان يحفظ كلّ ذلك ليبقى نقش أثره، فطُوْبى لمن عرف الحرف والكلمة وأولاهما جليل فهمه وقدره وأرتوى من سابق الأزمان، وما توارثته الأمم والأجيال فاختار أفضل السُبل والخِلال.
الحرف به جواهر غالية يشرئب لها نظر، وقلائده تحيط العنق تخطف بصر.
والحرف له بريق والقلم يعشقه إذا كتب ما يليق، وكيف لا إذا نفث مثل هذا الرحيقوإني لتَعرُوني لذكراكِ هزةٌلها بين جلدي والعظام دبيبٌالكلمة إذا أردت العناية بها، أو الاجتهاد في تخوِّلها، أو التمكن من فيوضاتها تكون كمن يقتفي اصطيادها، وكأنك تجد بداية لا نهاية لها، وإذا كانت جزء من كلام هام تماثل لك حينها حوار مفسوح لا تدرى متى تأتيك حجته الآخيرة، وهكذا يكون مشهد الحذق في التعبير ممدود بلا خاتمه يدفع تشوق للاستماع والإشباع.
صنع الكلمة إذا أردتها لشغف المعرفةتكون تَوْق اِستلهام، وتدابير لأحسن الكلام، وما أجمل مراقي حين ترى أن الكلمة الأخيرة حين ينطقها أو يكتبها صاحبها، وكأنه يريد قلبها أو يتموضع على سِرّتها.
وحروف اللغة العربية فيها مندوحة تذوق، وتأمل يفيض، وكأنها تتكلم وتراقص السمع اذا فَصَحت، ومزامير اذا نُطقت، جرسها الموسيقي عجيب، وهي للدارس ذوق وترتيب، لا يعرفها إلا من أحبها، وطار شغفه بممارستها.
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطرهفمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقطأما تشكيل الإعراب للحروف لها أجراس تضم وتفتح وتجر وتكسر، منها حروف للشفة ومن طرف اللسان، وأخرى تتصاعد من داخل الجوف، وغيرها فيه صفات تفشي، أو تصفير تؤدي، يخرج من بعضها نطق تفخيم، وإخفاض وإمالة.
إذا قلقلت الحروف كأنها تقرع طبلا.
نودع الحرف والكلمة بحكمه توارثها العقلاء وهي؛وخيرُ الكلامِ قليلُ الحروفكثيرُ القطوفِ بليغُ الأثروزنِ الكلامَ إذا نطقتَ ولا تكنْثرثارةً في كلِّ نادٍ تخطُبُواحفظْ لسانَكَ واحترزْ من لفظِهِفالمرءُ يَسلَمُ باللسانِ ويُعطَبُوالسِّرُّ فاكتمهُ ولا تنطُقْ بهِإنَّ الزجاجةَ كسرُها لا يُشعَبُ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك