أطلقت أطراف أوروبية شريكة في إطار برامج التعاون الدولي بالجزائر مناقصة لإعداد دراسة استراتيجية حول التداعيات المحتملة لآلية الاتحاد الأوروبي المعروفة بـ" تعديل الكربون على الحدود" (CBAM) على الاقتصاد الجزائري، في خطوة تهدف إلى تقييم انعكاسات هذه الآلية على الصادرات الجزائرية في قطاعات الصناعة والطاقة، خصوصاً المنتجات غير النفطية.
وتستهدف الدراسة المرتقبة، التي أعلنتها بعثة الاتحاد الأوروبي في الجزائر، تحليل درجة تعرض القطاعات الجزائرية الموجهة للتصدير، ولا سيما المرتبطة بالمواد الطاقوية والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، للتكاليف الإضافية التي قد تفرضها المعايير الكربونية الأوروبية الجديدة على المنتجات المستوردة.
ورفعت الجزائر صادراتها من الحديد والصلب خصوصاً حديد التسليح والإسمنت في السنوات الأخيرة، فضلاً عن الأسمدة والمخصبات الزراعية، ويسوق جزء كبير منها في أوروبا، والتي تعول عيها الحكومة الجزائرية لدفع القطاعات غير النفطية.
تمويل أوروبي وتعاون ألمانيوتندرج هذه الدراسة ضمن إطار تعاون يجمع وزارة البيئة وجودة الحياة في الجزائر، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، إضافة إلى وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية (BMZ)، إلى جانب تمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي في الجزائر، حيث تتولى هذه الأطراف الإشراف على تنفيذ برنامج (Clim.
Gov II) الموجه لدعم سياسات المناخ في الجزائر، وتحضير أدوات تقنية مرتبطة بالانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
كما ستركز الدراسة التي ستتم عبر آلية المناقصة، على تقييم الأبعاد البيئية والاجتماعية لهذه الآلية، من خلال دراسة تأثيرها المحتمل على مسار التحول الطاقوي في الجزائر، وعلى وتيرة التكيف مع متطلبات تقليص الانبعاثات الكربونية في النشاط الصناعي والإنتاجي.
وتشمل الدراسة أيضاً رصد الفرص التي قد تتيحها هذه التحولات، سواء على مستوى تحسين أداء المؤسسات الصناعية في مجال تقليص البصمة الكربونية، أو من خلال إمكانية تطوير آليات اقتصادية مرتبطة بتسعير الكربون، بما يسمح بالاستفادة من التحولات الجارية في الأسواق الدولية.
وتندرج هذه الخطوة في سياق أوسع يتصل بتزايد تأثير السياسات البيئية الدولية على حركة التجارة العالمية، خاصة في ما يتعلق بالعلاقات التجارية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، الذي يعد أحد أبرز شركاء الجزائر التجاريين في مجالي الطاقة والصناعة.
تحرك جزائري من خلال 10 وزاراتوتأتي دراسة التداعيات المحتملة لرسوم الكربون على صادرات الجزائر نحو القارة العجوز، خصوصاً خارج قطاع المحروقات، عقب تحرك جزائري عبر 10 وزارات للدفاع عن صادرات البلاد من مختلف المنتجات نحو القارة الأوروبية في ظل رسوم الكربون التي فرضتها بروكسل منذ الفاتح يناير/كانون الثاني الماضي على المنتجات التي تسبّب انبعاثات كربونية مرتفعة خلال مسار إنتاجها.
هذا التحرك الجزائري تضمنته وثيقة اطلعت عليها" العربي الجديد"، توجت أشغال اجتماع موسع احتضنته الجزائر قبل عدة أسابيع، وجمع ممثلين عن 10 وزارات جزائرية هي المحروقات والمناجم والطاقة والطاقات المتجددة والصناعة والشؤون الخارجية والتجارة الخارجية والمالية والفلاحة والبيئة والتعليم العالي واقتصاد المعرفة، إلى جانب خبراء جزائريين وممثلين عن مؤسسات أوروبية، بهدف بحث انعكاسات هذه الآلية على تنافسية الصادرات الجزائرية في السوق الأوروبية، مع التركيز على القطاعات الأكثر عرضة للتأثير.
وتشير الوثيقة إلى أن القطاعات الجزائرية الأكثر ارتباطاً بهذه الآلية تتمثل أساساً في الأسمدة والحديد والصلب والإسمنت إضافة إلى الكهرباء والهيدروجين، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على الطاقة في عمليات الإنتاج، وما يترتب عنه من مستويات مرتفعة من الانبعاثات، إضافة إلى وزنها في هيكل الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات، التي تعول عليها السلطات كثيراً لدفع القطاعات غير النفطية.
وأتاح النقاش بين الطرفين، وفقاً للوثيقة، تقييم درجة انكشاف هذه القطاعات على متطلبات الآلية الجديدة، مع التوقف عند الفرص التي قد تتيحها لإعادة توجيه مسارات الإنتاج نحو صناعات أقل انبعاثاً للكربون، بما يسمح بتحسين تنافسية الصادرات الجزائرية واستقطاب استثمارات في مجالات التكنولوجيا النظيفة والابتكار الصناعي.
كما استعرض الخبراء خلال اللقاء الجوانب التقنية المرتبطة بالآلية، بدءاً من طرق احتساب الانبعاثات المدمجة في كل منتج، مروراً بآليات تحديد تكلفة الكربون الواجب دفعها، وصولاً إلى إجراءات التحقق والاعتماد وإصدار الشهادات، إلى جانب تقديم خريطة الطريق الخاصة بالتطبيق التدريجي لنظام التسوية المالية ابتداء من سنة 2026.
وتعمل آلية" تعديل الكربون على الحدود" بوصفها امتداداً لنظام تداول الانبعاثات داخل الاتحاد الأوروبي (EU ETS)، حيث يتم فرض تكلفة كربونية على المنتجات المستوردة وفق حجم الانبعاثات الناتجة عن تصنيعها في بلد المنشأ، بهدف تقليص فجوة التنافس بين الإنتاج الأوروبي ونظيره القادم من الخارج، والحد من ما يعرف بتسرب الكربون نحو دول ذات معايير أقل صرامة.
ورقة تفاوضية من موقع الشريك الطاقي لبروكسلفي هذا السياق، يرى خبير الطاقات المتجددة بوخالفة يايسي، أن" الجزائر يمكنها تحويل موقعها كمورد طاقوي استراتيجي نحو السوق الأوروبية إلى ورقة تفاوضية لتعزيز الشراكات الاستثمارية، ليس فقط في مجال المحروقات، بل أيضاً في القطاعات الصناعية والطاقات النظيفة، بما في ذلك الكهرباء الخضراء والهيدروجين وبقية سلاسل القيمة المرتبطة بالانتقال الطاقوي".
وأكد يايسي الذي يرأس تجمع الطاقات الخضراء الجزائري، وهو تكتل مستقل للطاقات النظيفة، أن" المقاربة الحالية ينبغي أن تقوم على ربط التزامات تصدير الطاقة ببرامج استثمارية موازية داخل الجزائر، على غرار ما يتم في قطاع المحروقات، مع توسيع هذا المنطق ليشمل بقية القطاعات، من خلال اتفاقات تسمح بجذب تمويلات أوروبية موجهة لتقليص البصمة الكربونية وتطوير الصناعات منخفضة الانبعاثات، مع إمكانية استهداف شراكات ثنائية مع دول مثل إسبانيا وإيطاليا في مجال نقل وتبادل الطاقة النظيفة".
ويرى المتحدث أن" النموذج الأوروبي في التعاطي مع شركاء آخرين، مثل اتفاق الشراكة مع الهند، يمكن أن يشكل مرجعية قابلة للتكييف مع الحالة الجزائرية، حيث لم يقتصر التعاون على الجانب التجاري، بل شمل التزاماً أوروبياً بدعم استثمارات موجهة لتقليص الانبعاثات، من خلال حزمة تمويلية مخصصة لهذا الغرض بنحو 500 مليون يورو، وهو ما يمكن أن يفتح المجال أمام مقاربة مماثلة مع الجزائر في إطار شراكتها مع الاتحاد الأوروبي".
وحذر يايسي في المقابل من اختلالات محتملة في تطبيق آلية تعديل الكربون على الحدود، خاصة في ما يتعلق بعدم احتساب الانبعاثات الناتجة عن النقل، ما يضع المنتجات الجزائرية، مثل الصلب، في الخانة نفسها مع نظيراتها القادمة من آسيا رغم الفوارق الكبيرة في المسافات وسلاسل الإمداد، وهو ما قد ينعكس سلباً على تنافسية الصادرات الجزائرية مقارنة بمنافسين من مناطق أبعد جغرافياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك