لم يقتصر العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان على الخسائر البشرية والمادية، بل امتد ليطال القطاع الزراعي الذي يُعد أحد أبرز أعمدة الاقتصاد والأمن الغذائي في الجنوب اللبناني.
وبحسب أحدث التقارير الرسمية اللبنانية، فقد تجاوزت المساحات الزراعية المتأثرة بالعدوان 56 ألف هكتار، فيما تعرض نحو ربع هذه المساحات لأضرار مباشرة نتيجة القصف والتدمير الممنهج الذي استهدف الأراضي الزراعية وشبكات الري والبنى التحتية الإنتاجية والمنشآت المرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية والغذائية.
وسُجلت أضرار متفاوتة في 64 بلدة جنوبية، في وقت كان فيه صغار المزارعين الفئة الأكثر تضررًا، وهم الذين تشكل حيازاتهم الزراعية نحو 80% من إجمالي الملكيات الزراعية في الجنوب، ما يعكس حجم التأثير الكبير على الأمن المعيشي والاقتصاد المحلي للأسر الريفية.
القطاع الزراعي اللبناني في الحربوفي هذا السياق، أشار مراسل" التلفزيون العربي" من جنوب لبنان محمد شبارو إلى أن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي والبيئي في الجنوب يمكن وصفه بأنه “إبادة ممنهجة”، مؤكدًا أن إعادة ترميم هذه الخسائر ستحتاج إلى عقود طويلة.
وأوضح أن نحو 20 ألف هكتار من أصل 60 ألفًا تعرضت لأضرار بالغة، تركزت خصوصًا في القرى الحدودية التي تعرضت لعمليات تجريف ونسف واسعة، ولا سيما القرى التي لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل أجزاء منها أو تستهدفها بشكل متكرر.
ولفت إلى أن حجم الكارثة لا يقتصر فقط على المساحات الزراعية، بل يشمل أيضًا البنى التحتية المرتبطة بالإنتاج الزراعي، من شبكات الري والخيم الزراعية إلى المخازن والمنشآت التي يعتمد عليها المزارعون في دورة الإنتاج.
وبيّن أن الزراعة في جنوب لبنان تشكل عصب الاقتصاد المحلي، نظرًا للطبيعة الجغرافية للمنطقة، حيث تنتشر الزراعات الساحلية في سهل قضاء صور، خصوصًا الحمضيات والموز، فيما تتركز زراعات الزيتون والحمضيات في التلال والهضاب الممتدة في عمق الجنوب.
وبحسب الأرقام التي أوردتها وزارة الزراعة اللبنانية، فقد تضرر أكثر من 10 آلاف هكتار من أشجار الحمضيات، إضافة إلى أكثر من 7 آلاف هكتار من أشجار الزيتون، وهي خسائر طويلة الأمد لأن إعادة زراعة هذه الأشجار وإعادتها إلى مرحلة الإنتاج تحتاج إلى سنوات طويلة وربما عقود.
كما امتدت الأضرار إلى قطاع الثروة الحيوانية، حيث تتحدث وزارة الزراعة عن نفوق أكثر من مليون و800 ألف رأس من الماشية، بين دواجن وأغنام وأبقار، إلى جانب تدمير منشآت مرتبطة بالإنتاج الحيواني والزراعي.
ولم يسلم قطاع تربية النحل أيضًا من آثار الحرب، إذ تشير التقديرات إلى نفوق نحو 3 آلاف خلية نحل في الجنوب، في خسارة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى التأثير على التوازن البيئي والزراعي، نظرًا للدور الحيوي الذي يؤديه النحل في عمليات التلقيح والإنتاج الزراعي.
وأشار شبارو إلى أن الأزمة تزداد تعقيدًا لأن الحرب لم تنتهِ بعد، فيما تستمر عمليات القصف والتجريف، الأمر الذي يمنع حتى الآن أي خطوات جدية لإعادة التأهيل أو عودة المزارعين إلى أراضيهم.
وعن طبيعة المبادرات الحكومية، أوضح أن تحرك الحكومة اللبنانية لا يزال يتركز في هذه المرحلة على توثيق الأضرار وإجراء الإحصاءات وتحديد حجم الخسائر، في ظل استمرار العمليات العسكرية.
كما تعتبر الحكومة اللبنانية ما يجري جزءًا من جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل بحق لبنان، إلى جانب استهداف المدنيين والبنى التحتية.
وحتى الآن، تتحدث وزارة الزراعة عن مساعدات عاجلة تُقدّر بنحو مليون ونصف مليون دولار فقط، كخطوة أولية لمحاولة الحد من الخسائر، في وقت تبدو فيه الحاجة الفعلية أكبر بكثير.
ويزيد من تعقيد المشهد أن نحو 78% من المزارعين في جنوب لبنان ما زالوا نازحين عن بلداتهم، فيما فضّل البعض البقاء رغم المخاطر الأمنية، ما يجعل إعادة تشغيل القطاع الزراعي مرتبطة أولًا بعودة السكان وتأمين المناطق.
كما أن العديد من الأراضي الزراعية والأحراج تعرضت لقصف بالفوسفور الأبيض، فيما تنتشر ذخائر غير منفجرة في مناطق واسعة، ما يتطلب عمليات مسح ميداني من قبل الجيش اللبناني لتأمين الأراضي قبل السماح بعودة المزارعين إليها.
وأكد شبارو أن وزارة الزراعة اللبنانية تعمل بالتوازي على التواصل مع المنظمات الدولية للتحضير لمرحلة ما بعد الحرب، نظرًا لأن القطاع الزراعي في الجنوب يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي اللبناني.
وتأمل السلطات اللبنانية، في حال التوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار، بإطلاق خطة شاملة لإعادة إحياء القطاع الزراعي وترميم الأضرار، إلا أن مختصين يؤكدون أن بعض الخسائر، خصوصًا في زراعات الحمضيات والزيتون، ستحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تستعيد قدرتها الإنتاجية الطبيعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك