خلّف رحيل عبد الوهاب الدكالي تأثرا واسعا داخل الأوساط الفنية والثقافية، وبين عشاق فنه الراقي، باعتباره أحد الفنانين الكبار الذين ارتبطت أعمالهم بذاكرة أجيال كاملة، وصوتا بصدى لا ينضب ويبصمُ على تاريخ الأغنية المغربية الحديثة.
ولم يتوقف وقع هذا الرحيل عند فقدان قامة فنية كبيرة، بل امتد ليُعيد إلى الواجهة صورًا وذكريات ولقاءات، وأغانٍ، شكّلت جميعها جزءًا لا يتجزأ من الوجدان الجماعي، في لحظات نوستالجية استحضرت المسار الإبداعي والإنساني للموسيقار الراحل، بتعبيرات مختلفة قاسمها المشترك الحب الكبير لـ”مرسول الحب” الأبدي.
وبالموازاة مع هذا المسار، كان للراحل أن يبني مجدا مماثلا على الشاشة الكبرى، إسوة بنظرائه في التاريخ الفني المصري، عبد الحليم وفريد الأطرش ومحمد فوزي، لولا أن الإنتاج السينمائي الوطني لم يكن بالانتظام والغزارة المنشودة في تلك الآونة.
وقد تقاسم فنانون وإعلاميون ومثقفون، إلى جانب جمهور واسع من مختلف الأجيال، مقاطع من أغانيه وصورًا ولقاءات تلفزيونية نادرة جمعته بوسائل الإعلام على امتداد سنوات طويلة.
واستحضر كثيرون أعمالًا مثل مرسول الحب وما أنا إلا بشر وكان يا مكان، معتبرين أنها لم تكن مجرد أغانٍ ضمن الريبرتوار المغربي، بل محطات وجدانية رافقت تفاصيل الحياة اليومية وارتبطت بذكريات أجيال كاملة.
كما أعاد كثيرون تداول أعماله الخالدة مرفوقة بتدوينات تستحضر تأثيره في الذاكرة الفنية المغربية، ودوره في ترسيخ هوية موسيقية خاصة جمعت بين الأصالة والإحساس الإنساني العميق.
السداتي: الدكالي تجربة فنية متكاملةوفي هذا السياق، اعتبر مجيد السداتي، المنسق والمسؤول عن عدد من المبادرات الفنية والثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن رحيل عبد الوهاب الدكالي يمثل خسارة كبيرة للساحة الفنية المغربية والعربية، بالنظر إلى القيمة الرمزية والإبداعية التي راكمها الراحل على امتداد عقود من العطاء الفني.
وأوضح السداتي، في تدوينة نشرها عبر موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، أن الدكالي لم يكن مجرد مطرب أو ملحن عابر، بل تجربة فنية متكاملة استطاعت أن تؤسس لمرحلة مفصلية في تاريخ الأغنية المغربية، من خلال أعمال جمعت بين الأصالة الفنية والبعد الإنساني والقدرة على ملامسة وجدان الجمهور المغربي والعربي.
وأضاف أن الراحل نجح في صناعة حضور فني استثنائي ظل ممتدًا عبر الأجيال، بفضل اختياراته الموسيقية الراقية وصوته الذي ارتبط بمحطات وجدانية وإنسانية راسخة في ذاكرة المتلقين، معتبرًا أن رحيله يعلن، بشكل رمزي، نهاية جزء مهم من زمن الأغنية المغربية الكلاسيكية التي شكّل أحد أبرز رموزها.
فتح الدين: التشكيل يستحضر روح الموسيقاروفي امتداد لهذا التأبين الثقافي، اختار الفنان التشكيلي المغربي حسن فتح الدين أن يستحضر الراحل عبد الوهاب الدكالي بريشته، عبر لغة اللون والضوء والخطوط البصرية، من خلال مجموعة أعمال تشكيلية أعادت بناء صورة الفنان الراحل داخل فضاء جمالي يزاوج بين الذاكرة والإحساس.
وتُظهر هذه الأعمال الدكالي في حالة انسجام عميق مع آلة العود، في مشاهد تختزل العلاقة العضوية التي جمعته بالموسيقى، حيث يتحول العود من مجرد أداة موسيقية إلى رمز للهوية الفنية والذاكرة الجماعية، وكأن اللوحات تسعى إلى تحويل الغياب إلى حضور بصري نابض بالحياة.
وتحمل هذه المقاربة التشكيلية أبعادًا فلسفية وجمالية تستحضر فكرة خلود الفن وقدرته على مقاومة النسيان، إذ لا تكتفي اللوحات باستعادة ملامح الفنان الراحل، بل تذهب نحو إعادة إنتاج أثره داخل المخيال الثقافي المغربي والعربي، عبر رؤية فنية تجعل من التأبين فعلًا إبداعيًا قائمًا بذاته.
ويكشف رحيل عبد الوهاب الدكالي حجم ومكانة الإبداع الفني المغربي، كرمز ثقافي ما تزال صورته وأعماله قادرتين على إنتاج المعنى وإلهام قراءات جديدة، سواء عبر النقد الثقافي أو التعبير التشكيلي أو غيرهما من مجالات الفكر والفن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك