" ليفعلوا ما يشاؤون، أنا لا أشارك في هذا الأمر"، هذا ما قاله وزير الدفاع اللبناني، ميشال منسى، لحظة خروجه من جلسة اللجان المشتركة لمناقشة قانون العفو العام، في 4 مايو/ أيار الجاري، عند وصول النواب إلى طرح بند" تمويل الإرهاب".
" صراخ" ونقاش حادّ بين وزير الدفاع والنائب عن بيروت، نبيل بدر، الذي سعى إلى إدراج هذه المسألة ضمن بند الاستثناءات وربطها بـ" الموقوفين الإسلاميين"، على اعتبار أنّ هؤلاء حوكموا في ظروف سياسية أمام المحكمة العسكرية، ولا بدّ من معالجة هذه الثغرة.
يبدي الشارع السنّي تخوّفاً من أن يستثني القانون الموقوفين الإسلاميين، على اعتبار أنّ بعضهم قد تورّط في مواجهات مع المؤسّسة العسكريةتعزّزت قناعة النائب بدر، ومن يسانده من زملائه في المجلس النيابي، بضرورة النظر في المحاكمات السابقة، بعدما أصدرت محكمة الجنايات في بيروت، بتاريخ 6 مايو، حكماً ببراءة كلٍّ من الفنّان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير من تهمة محاولة قتل" مسؤول سرايا المقاومة"، هلال حمود، في عام 2013، وجاء الحكم لعدم ثبوت الإدانة الكافية.
وقانون العفو العام في لبنان هو نصّ تشريعي يُدرس حالياً في اللجان النيابية المشتركة، ويهدف إقراره إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون بإسقاط العقوبات عن جرائم محدّدة، مع وجود نقاشات سياسية وقانونية مكثّفة حول الاستثناءات، خاصّةً المتعلّقة بـ" جرائم الدم" والإرهاب، لضمان عدم شمولها بالعفو.
فهل سيسلك هذا القانون، رغم أهميته، طريق" اللبننة"؟لا نقاش في أنّه بات من الضروري إيجاد صيغة قانونية لإخراج مشروع قانون العفو من دائرة التجاذبات السياسية، والوصول به إلى معالجة قضية تحمل في خلفياتها إشكاليات تبدأ بمسألة الاكتظاظ في السجون، لتشمل المسألة الجوهرية في هذا القانون، والمرتبطة بالعفو عمّا بات يعرف بـ" الإسلاميين"، إذ يرافق الظلم كثيرين منهم.
وبحسب مصادر متابعة، هناك مئات منهم ممَّن لم يحاكموا إلى اليوم، وآخرون قضوا في السجون أكثر من مدّة محكوميتهم.
ليست الشؤون الإدارية والقضائية في قانون العفو ما دفع النائب بدر إلى رفع الصوت عالياً، بل التركيز على تلك الحقبة التي رافقت اعتقال الشباب، إذ كانت تهمة الإرهاب جاهزةً على اعتبار أنّ المحاكمات كانت، في أغلبها، مسيّسة بسبب المرحلة الدقيقة التي كانت تمرّ بها المنطقة، تحديداً في الحرب في سورية عام 2011.
إذ يعتبر النائب بدر، كما يرى كثيرون من زملائه في مجلس النواب، أنّ الأحكام التي خرجت من المحكمة العسكرية آنذاك كانت" مسيّسة" ومهيمناً عليها من حزب الله، الذي كان يساند نظام بشّار الأسد في سورية في وجه المعارضة.
إنّ مشروع القانون، بصيغته المقدّمة التي تشمل عفواً عامّاً عن كلّ من ارتكب الجريمة في لبنان، يعتبر بحدّ ذاته" سقطةً" قانونيةً وتشريعيةً لا يمكن التغاضي عنها.
صحيح أنّه بات من الضروري رفع المظلومية عن كثيرين من المسجونين، ولكن الشمولية في هذا الأمر قد تتحوّل إلى مظلومية تجاه من ارتُكبت بحقّهم الجرائم.
فمثل هذا القانون، إنّ أصبح نافذاً، سيشجّع حتماً على الجريمة، لا سيّما تلك المتعلّقة بجرائم القتل العمد، أو تجارة المخدّرات أو ما شابه، إذ سيستفيد منه كلّ من سوّلت له نفسه ارتكاب الجريمة عن سابق تصوّر وتصميم.
تداخل منطق الحقوق مع الطائفية في لبنان، وباتت كلّ طائفة تريد تفصيله بما يتناسب مع أبناء طائفتها، بعيداً من المظلومية، وحتى من دون مراعاة آلام الناس الذين وقعوا ضحايا أعمال المجرمين.
فيبدي الشارع السنّي تخوّفاً من أن يستثني القانون الموقوفين الإسلاميين، على اعتبار أنّ بعضهم قد تورّط في مواجهات مع المؤسّسة العسكرية.
ويطالب المكوّن الثنائي الشيعي بأن يشمل القانون الموقوفين والملاحقين غيابياً في قضايا تتّصل بزراعة وتصنيع وتجارة المخدّرات، باعتبار أنّ هذه الملفّات تحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية تتجاوز الطابع الجرمي البحت.
أمّا القوى المسيحية، فتضع في صلب أولوياتها أن يتضمّن القانون معالجة أوضاع اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد عام 2000.
يتضمّن المشهد اللبناني تعدّديةَ مشاريع واقتراحات قانونية مطروحة، وهناك تباين في المقاربات، بما يعكس الانقسام السياسي العميق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك