في صباح يوم 4 أبريل/نيسان عام 2000، هبطت الطائرة في مطار ديترويت مترو في ولاية ميشيغان الأمريكية، وسط جو قارس البرودة وطبقة رقيقة من الثلج.
كنت مراهقا لم أكمل الثالثة عشرة من عمري، مرافقا والدتي وأخي وأختي، قادمين من قرية أغرب بني عواض، مديرية بعدان، محافظة إب اليمنية، لنلملم شمل العائلة مع والدي الذي سبقنا إلى أمريكا، وعمل في شركة فورد للسيارات لعقود من الزمن.
كنت في قريتي ذلك الطفل المغرم بالمدرسة، الشغوف بالإذاعة الصباحية، الذي كان يقدمها بنفسه كل يوم بكل حماس وفخر.
أستيقظ مبكرا لأختار الأناشيد والأخبار، وأشعر أن صوتي عبر مكبر الصوت يصل إلى قلوب الجميع.
كانت تلك الإذاعة أول منصة لي، وأول تعبير عن حبي للتعليم.
كنت أتخيل أمريكا أرض الأحلام اللامعة، لكن الواقع بدأ بتحد كبير.
عشنا أول خمسة أشهر في مدينة ديترويت، وكانت أول شهرين منهما الأصعب في حياتي.
صعوبة التأقلم مع البيئة الجديدة، وعدم فهم اللغة، وعجزي عن التحدث بها، جعلاني أشعر بالغربة الشديدة.
كنت أعود إلى المنزل كل يوم متعبا، باكيا، كارها واقعي آنذاك، لكن إصرار والدي ودعم والدتي الذي لا ينضب كانا يدفعانني إلى الأمام.
بعد خمسة أشهر، انتقلنا إلى مدينة ديربورن، حيث وجدنا مجتمعا عربيا دافئا احتضننا.
هناك واصلت رحلتي التعليمية بجد ومثابرة، حتى حصلت على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف من جامعة ميشيغان – ديربورن، ثم نلت درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة وين ستيت.
كنت أستيقظ كل يوم فأرى والدي عائدا من عمله المتعب في شركة فورد للسيارات، فكان ذلك دافعا قويا لي لكي أكافئه ووالدتي بتفوقي الدراسي، وأسعى لنيل أعلى الدرجات العلمية.
دخلت مجال تطوير برامج الحاسوب، وعملت في عدة شركات متخصصة.
وبجانب عملي، كرست سنوات طويلة للعمل الاجتماعي والنضال من أجل العدالة الاجتماعية وجودة التعليم.
خضت معركة الانتخابات لعضوية مجلس التعليم ثلاث مرات؛ خسرت الدورتين الأوليين، لكنني لم أستسلم، وفزت في الدورة الثالثة بتوفيق من الله، ثم بثقة أهالي ديربورن بشتى انتماءاتهم العرقية والثقافية، وبدعم أخي الدكتور أديب معزب، إلى جانب الأصدقاء والمحبين والمؤمنين برسالتي وحملتي الانتخابية.
في كل أبريل/نيسان، أتذكر ذلك اليوم البارد في مطار ديترويت، وأنظر إلى طفلي وأقول لنفسي: " لقد قطعنا شوطا بعيدا.
والإذاعة الصباحية التي بدأت فيها في القرية ما زالت تتردد في قلبي بصوت أعلى"اليوم، وبعد ستة وعشرين عاما من ذلك اليوم الثلجي القارس في مطار ديترويت، أقف أبا لطفلين رائعين، ومطور برمجيات، وناشطا تعليميا، وعضوا في مجلس التعليم الذي يشرف على مدارس ديربورن وكلية هنري فورد.
ولا أرى في هذا الإنجاز فخرا شخصيا، بل أراه قبل كل شيء توفيق الله وفضله العظيم، ثم ثمرة طيبة لرحلة طويلة من التعب والأمل.
إنه عرق جبين والدتي في حقول قريتنا الخضراء، وأنفاس والدي المتعبة في مصانع فورد، ودعوات جدتي الخالصة التي كانت ترتفع إلى السماء، وابتسامة أختي الكبيرة وتشجيعها الدائم الذي لم ينقطع يوما، فكانت سندا وعونا لي في كل خطوة.
من ذلك الطفل الصغير الذي كان يقدم الإذاعة الصباحية في مدرسة قرية أغرب بني عواض، إلى الرجل الذي يشارك في صناعة سياسات التعليم لآلاف الطلاب في ديربورن بعد ثلاث حملات انتخابية لم تنجح إلا الثالثة، كانت الرحلة طويلة ومليئة بالدروس والانتصارات.
تعلمت أن أمريكا لا تعطي الأحلام مجانا، بل تكافئ من يعمل بإخلاص ويصر على النجاح رغم كل الصعاب.
ديربورن أصبحت وطني الثاني، وقريتي الأولى لا تزال مصدر إلهامي وفخري.
في كل أبريل/نيسان، أتذكر ذلك اليوم البارد في مطار ديترويت، وأنظر إلى طفلي وأقول لنفسي: " لقد قطعنا شوطا بعيدا.
والإذاعة الصباحية التي بدأت فيها في القرية ما زالت تتردد في قلبي بصوت أعلى".
هذه قصتي.
قصة مهاجر عربي آمن بالتعليم والإصرار، وحول الغربة إلى بناء مجتمع.
وفي هذه المسيرة، ما زال صوتي الصغير في الإذاعة المدرسية يرن في مسمعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك