في خضم أجواء احتفالات «يوم النصر» في التاسع من مايو الجاري، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارة غير معتادة بشأن الحرب في أوكرانيا، حين قال إن الصراع يقترب من نهايته، في أول تلميح واضح من الكرملين إلى احتمال اقتراب نهاية الحرب المستمرة منذ عام 2022.
وجاء تصريح بوتين مقتضبًا، لكنه حمل دلالات سياسية لافتة، خصوصًا أنه تجنب للمرة الأولى الحديث المعتاد عن استمرار العملية العسكرية الخاصة حتى تحقيق أهدافها الكاملة، وعلى رأسها نزع سلاح أوكرانيا والسيطرة على إقليم دونباس شرقي البلاد.
ويبدو أن الرئيس الروسي يحاول الحفاظ على فكرة أن التسوية السياسية لا تزال ممكنة، سواء أمام الداخل الروسي الذي أنهكته الحرب أو أمام المجتمع الدولي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والعسكرية على موسكو، بحسب تحليل نشرته شبكة «CNN» الأمريكية.
وسيط جديد محتمل في محادثات مستقبلية مع أوروباوخلال المناسبة نفسها، طرح بوتين اسم المستشار الألماني الأسبق جيرهارد شرودر، كوسيط محتمل لأي محادثات مستقبلية مع أوروبا، ويُعرف «شرودر» بعلاقته الوثيقة ببوتين وبعمله السابق في مشروع «نورد ستريم»، ما جعل اقتراحه مثيرًا للجدل داخل أوروبا، رغم احتمال أن يجد صدى في واشنطن.
وعلى مدار العام الماضي، تعامل كثيرون مع حديث بوتين عن السلام باعتباره جزءًا من استراتيجية للمماطلة وكسب الوقت، لكن المشهد داخل روسيا يبدو أكثر تعقيدًا اليوم، فالحرب التي كان يعتقد أنها ستعزز قبضة الكرملين بدأت تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي متزايد، مع تصاعد الانتقادات داخل الأوساط الشعبية والنخبوية بشأن طول أمد الحرب وكلفتها البشرية والمالية.
تنامي حالة التوتر داخل روسياوتشير تقارير ومؤشرات داخلية إلى تنامي حالة التململ داخل روسيا، حتى في ظل الطبيعة الأمنية الصارمة للدولة، كما تتردد داخل دوائر النخبة في موسكو تساؤلات حول قدرة بوتين على تجاوز تداعيات الحرب سياسيًا إذا استمرت لفترة أطول.
وفي مشهد حمل رمزية واضحة، بدا العرض العسكري في الساحة الحمراء هذا العام أقل قوة من المعتاد، مع غياب ملحوظ للعتاد العسكري الثقيل الذي اعتادت موسكو استعراضه في السنوات الماضية، واقتصر الحضور بشكل أساسي على الجنود، في وقت تواجه فيه روسيا صعوبات متزايدة في التجنيد وتعويض الخسائر البشرية.
في المقابل، لا تزال أوكرانيا صامدة رغم الضغوط الهائلة، فبعد مرحلة بدت فيها كييف مهددة بالانهيار بسبب نقص الدعم والذخيرة، نجحت القوات الأوكرانية في التكيف مع ظروف الحرب عبر توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والمركبات غير المأهولة في الهجوم والإمداد والإجلاء.
ويرى مراقبون أن هذا التحول التكنولوجي منح كييف قدرة أكبر على الصمود، رغم استمرار معاناتها من نقص الجنود، كما ساهم في إبطاء التقدم الروسي على الجبهات، حتى مع استمرار موسكو في حشد قواتها لتحقيق مكاسب تدريجية.
اقتصاديًا، يواجه الكرملين ضغوطًا متزايدة نتيجة العقوبات وتكاليف الحرب، فيما تشير تقارير إلى تراجع الثقة داخل الأوساط الاقتصادية الروسية، ويبدو أن فلاديمير بوتين يحاول تهدئة المخاوف الداخلية عبر التلميح إلى أن الحرب قد لا تستمر طويلًا.
ورغم أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، فإن المؤشرات الحالية تعكس واقعًا مختلفًا عمّا كانت عليه الحرب قبل عام، فروسيا لم تحقق أهدافها الكاملة، وأوكرانيا لم تنهَر، بينما تتزايد القناعة تدريجيًا بأن الحرب، مهما طال أمدها، لن تستمر إلى ما لا نهاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك