طرابلس – «القدس العربي»: تتزايد المؤشرات على عودة الولايات المتحدة إلى الانخراط بشكل أوسع في الملف الليبي، لكن هذه العودة تبدو محاطة بخلافات داخلية في واشنطن حول طبيعة الشركاء الذين ينبغي دعمهم في البلاد، وحدود التعامل مع التشكيلات المسلحة والقوى المسيطرة ميدانيا، في وقت تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع ملفات الطاقة والنفوذ الروسي والتركي في منطقة المتوسط والساحل الإفريقي.
وانتقد الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، مايكل روبين، ما وصفه بـ»التناقض» في سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه التشكيلات المسلحة في الشرق الأوسط، معتبراً أن واشنطن تتبنى مواقف صارمة ضد الفصائل المدعومة من إيران في العراق، بينما تواصل في المقابل دعم حكومة طرابلس رغم ارتباطها بقوى مسلحة نافذة في غرب ليبيا، بحسب تعبيره.
ورأى روبين أن إدارة ترامب الحالية، عبر وزير الخارجية، ماركو روبيو، ووزير الخزانة، سكوت بيسنت، تواصل تقديم الدعم السياسي لحكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة» في طرابلس، رغم الانتقادات المتعلقة بوجود جماعات مسلحة مؤثرة داخل المشهد الأمني والسياسي بالعاصمة ومحيطها.
وأشار الباحث الأمريكي إلى أن ليبيا دخلت منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 مرحلة تمدد واسع للجماعات المسلحة، معتبراً أن مقتل السفير الأمريكي السابق، كريس ستيفنز، في بنغازي عام 2012، كشف حجم نفوذ الجماعات المتشددة في البلاد، فيما اعتبر أن عملية «الكرامة» التي قادها المشير خليفة حفتر نجحت لاحقاً في إضعاف تنظيمي «أنصار الشريعة» و»داعش» في شرق ليبيا.
وفي الوقت نفسه، لفت روبين إلى أن الجيش الأمريكي عاد الشهر الماضي إلى مدينة سرت للمشاركة في مناورات «فلينتلوك»، في خطوة تعكس استمرار الاهتمام الأمريكي بالمشهد الأمني الليبي، بالتوازي مع حديث متزايد داخل واشنطن عن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية والعمل مع القوى المسيطرة على الأرض.
وتزامنت هذه النقاشات الأمريكية مع تطورات اقتصادية ونفطية بارزة داخل ليبيا، بعدما أعلن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عبدالحميد الدبيبة، عودة مصفاة رأس لانوف إلى «السيادة والإدارة الليبية الكاملة»، معتبراً أن ذلك أغلق «ملفاً معقداً» امتد لسنوات من النزاعات القضائية والتحكيمية الدولية.
وقال الدبيبة إن الاتفاق أعاد للمؤسسة الوطنية للنفط حقها الكامل في إدارة وتشغيل المصفاة، واصفاً الخطوة بأنها «إنجاز وطني» يعيد أحد أهم الأصول الاستراتيجية إلى الدولة الليبية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى إعادة تنشيط قطاع الطاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وجاء ذلك بعد إعلان المؤسسة الوطنية للنفط توقيع الاتفاق النهائي مع شركة «تراستا» لإنهاء الشراكة داخل شركة «ليركو»، بما يؤدي إلى انتقال الأسهم بالكامل إلى المؤسسة الليبية، وإنهاء الوجود الأجنبي داخل المجمع النفطي في رأس لانوف.
ويمنح هذا التطور بعداً إضافياً للجدل الأمريكي بشأن ليبيا، في ظل تزايد التركيز الغربي على قطاع النفط الليبي باعتباره جزءاً من معادلة أمن الطاقة في المتوسط، خاصة بعد تصاعد العقوبات على روسيا والبحث الأوروبي عن بدائل للطاقة الروسية.
وكان المجلس الأطلسي قد اعتبر في تقرير سابق أن إعادة الانخراط الأمريكي في ليبيا تمثل «قراراً صائباً في توقيت حرج»، مشيراً إلى أن واشنطن تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً من أمن المتوسط ومنطقة الساحل وأمن الطاقة الأوروبي.
وأوضح التقرير أن ليبيا تحولت إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوحة بين عدة قوى دولية، مع تنامي النفوذ الروسي في الشرق والجنوب عبر «فيلق إفريقيا»، واستمرار الحضور التركي في غرب البلاد، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة إعادة تثبيت حضورها الأمني والسياسي والاقتصادي.
وأشار التقرير إلى أن واشنطن ترى في ليبيا موقعاً استراتيجياً يربط بين أوروبا وإفريقيا، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية وأمن الطاقة، لافتاً إلى أن العقوبات الغربية على روسيا دفعت أوروبا إلى البحث عن بدائل للطاقة الروسية، ما أعاد النفط الليبي إلى واجهة الحسابات الغربية.
وفي هذا السياق، تحدث التقرير عن عودة شركات نفط عالمية كبرى إلى السوق الليبية، بينها «شل» و»شيفرون» و»إيني» و»توتال إنيرجيز»، ضمن أول جولة تراخيص للتنقيب منذ سنوات طويلة، مع خطط لرفع إنتاج النفط الليبي إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2030.
لكن المجلس الأطلسي حذر في المقابل من أن أي استثمارات غربية في ليبيا ستظل معرضة للخطر في حال استمرار الانقسام السياسي والأمني، مشدداً على أن الاستقرار الأمني يمثل شرطاً أساسياً لحماية البنية التحتية النفطية وضمان استمرار تدفق الطاقة.
ويعكس الجدل داخل الأوساط الأمريكية بشأن ليبيا وجود رؤيتين مختلفتين للتعامل مع الأزمة الليبية، الأولى تدفع نحو دعم المؤسسات القائمة في طرابلس باعتبارها تحظى باعتراف دولي وتنسق مع الأمم المتحدة، بينما تركز الثانية على التعامل مع القوى العسكرية والأمنية المسيطرة فعلياً على الأرض، خصوصاً في الشرق والجنوب.
كما يتزامن هذا النقاش مع تحركات أممية ودولية متواصلة لدفع العملية السياسية في ليبيا، عبر مسارات الحوار واللجان المشتركة والاجتماعات المصغرة التي تهدف إلى معالجة الانقسام المؤسسي والعسكري، في وقت لا تزال فيه الملفات الأمنية تشكل العقبة الأكبر أمام أي تسوية شاملة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الملف الليبي عاد مجدداً إلى قلب الحسابات الدولية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي وثروته النفطية، بل أيضاً باعتباره جزءاً من الصراع الأوسع على النفوذ في البحر المتوسط وإفريقيا، وسط محاولات أمريكية لإعادة صياغة دورها في البلاد بعد سنوات من التراجع النسبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك