الرباط ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة السياسية المغربية حركة متسارعة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، في ظل شروع عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية في إعادة ترتيب أوراقها، وتكثيف مبادراتها التنظيمية والتواصلية استعداداً لمحطة انتخابية تبدو حاسمة في إعادة تشكيل خريطة المشهد الحزبي.
في هذا السياق، أعلن كل من حزب «فدرالية اليسار الديمقراطي» و»الحزب الاشتراكي الموحد» عن إطلاق مسار جديد للتقارب السياسي والتنسيق المشترك، من خلال التحالف لخوض الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 أيلول/ سبتمبر المقبل، في خطوة تعكس توجهًا لإعادة ترتيب البيت اليساري وتوحيد مكوناته استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.
ويرى متابعون أن هذه المبادرة تمثل محاولة لإحياء مشروع اليسار الديمقراطي وتعزيز حضوره داخل المشهد السياسي الوطني.
وعقد المجلس الوطني للحزبين دورة استثنائية خُصصت للحسم في نقطة فريدة تتعلق بخوض الانتخابات التشريعية بلوائح مشتركة، حيث تمت المصادقة رسمياً على التحالف بين الحزبين.
وفي هذا الصدد، أكد عبد السلام لعزيز، الأمين العام لـ»فدرالية اليسار الديمقراطي»، خلال افتتاح الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزبه، أن هذا التحالف الانتخابي يشكل محطة في اتجاه بناء قطب يساري موحد، معتبرًا أن الأمر لا يتعلق بمجرد تنسيق انتخابي ظرفي، بل بنواة مشروع سياسي أوسع يهدف إلى تشكيل تكتل يساري قادر على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
واعتبر لعزيز أن السياق الوطني الحالي يتسم بتراجعات سياسية وحقوقية، إلى جانب تنامي نفوذ المال والفساد، وهو ما يفرض، بحسب تعبيره، ضرورة توحيد قوى اليسار وإحياء العمل الوحدوي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات المطروحة.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يبرز الحاجة السياسية والتنظيمية إلى هذا التحالف، في ظل ما وصفه باستمرار اختلالات المنظومة الانتخابية وضعف الإمكانيات وصعوبة شروط التنافس، مؤكدًا أن توحيد الجهود من شأنه تحسين النتائج الانتخابية وتعزيز حضور اليسار داخل المشهد السياسي.
كما أوضح أن المكتبين السياسيين للحزبين توصلا إلى اتفاق بشأن توزيع الدوائر الانتخابية وفق مقاربة تراعي «العقلانية التنظيمية»، رغم ما يتطلبه ذلك من تنازلات متبادلة، معتبرًا أن هذه الاختيارات تخدم في نهاية المطاف مصلحة اليسار والفئات الاجتماعية التي يدافع عنها الحزبان.
وفي سياق موازٍ، اختارت المنظمة الشبابية لحزب «العدالة والتنمية» المعارض التركيز على فئة الشباب باعتبارها أحد الرهانات الأساسية في المرحلة المقبلة، من خلال الإعلان عن إطلاق النسخة العشرين من حملة تعزيز المشاركة السياسية للشباب، تحت شعار «جيل مشارك.
جيل مؤثر».
وأوضحت المنظمة، في بيان صحافي، أن هذه الحملة ستُنظم ما بين 15 أيار/ مايو و15 تموز/ يوليو عبر مختلف أقاليم المغرب، من خلال سلسلة من أنشطة التواصل والتوعية التي تروم تعزيز انخراط الشباب في الحياة السياسية والمدنية، وتشجيعهم على التفاعل مع النقاش العمومي والمساهمة في تدبير الشأن العام.
ووفق المصدر ذاته، فإن البرنامج المرتقب سيتضمن لقاءات وندوات وورشات تأطيرية وتواصلية سيؤطرها فاعلون سياسيون ومدنيون وأكاديميون، بهدف تحفيز الشباب على التفاعل الإيجابي مع القضايا المحلية وترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية.
وترفع الحملة الجديدة شعار «جيل مشارك.
جيل مؤثر»، في إشارة إلى أهمية حضور الشباب داخل الفضاء العمومي والمؤسسات المنتخبة، في وقت تتزايد فيه النقاشات المرتبطة بالعزوف السياسي وضعف المشاركة الانتخابية لدى فئات واسعة من الشباب المغربي.
ويرى متابعون أن هذه المبادرة تأتي في إطار سعي حزب «العدالة والتنمية» إلى استعادة حضوره وسط الفئات الشابة، بعد التحولات السياسية التي عرفها الحزب خلال السنوات الأخيرة، خاصة عقب انتخابات 2021، حيث حدث له تراجع كبير من حيث أصوات الناخبين، ومن ثم يراهن على العمل التواصلي كمدخل لإعادة بناء القاعدة التنظيمية واستقطاب أجيال جديدة من الناخبين.
من جهته، اختار حزب «التقدم والاشتراكية» المعارض التركيز على خطاب النزاهة ومحاربة تضارب المصالح، في إطار استعداداته للاستحقاقات المقبلة، حيث أكد أمينه العام محمد نبيل بنعبد الله أن الحزب «لم يسبق أن تورط في أي ملفات مرتبطة بالاستفادة من الصفقات العمومية أو استغلال المسؤولية الحكومية لتحقيق مصالح خاصة»، وأضاف أن حزبه «لم يُسجل عليه أن أحد مسؤوليه مرّر صفقة لصالح قريب أو صديق».
وفي انتقاد مبطن لما اعتبره تضارباً للمصالح داخل تدبير بعض المشاريع الكبرى، أشار بنعبد الله إلى أن هناك مسؤولين «يفوزون بصفقات وهم في مواقع القرار»، مستحضرًا مشروع تحلية المياه الذي مُنح لشركة يقودها رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
كما وجه بنعبد الله رسالة مباشرة إلى الشباب، خاصة ما يعرف بجيل «زِد»، داعيًا إلى عدم وضع جميع الأحزاب في «سلة واحدة»، ومعتبرًا أن بعض الهيئات السياسية ما تزال تحافظ على المصداقية والجدية في العمل السياسي.
وتعكس هذه التحركات المتزامنة دخول الأحزاب السياسية المغربية تدريجيًا في أجواء الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وسط محاولات لإعادة تعبئة القواعد الحزبية، واستقطاب الناخبين، وإعادة صياغة الخطاب السياسي بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، في انتظار ما ستفرزه الأشهر المقبلة من تحالفات وتموقعات جديدة داخل المشهد السياسي المغربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك