لم يعد باليد حيلة؛ وليس بالإمكان أفضل مما كان؛ ولا يمكننا بعد الآن الصمت أو الصبر على ما يحدث؛ فقد سبق السيف العذل وأصبحنا الآن في مواجهة مع الزومبي؛ يهدد حياتنا ويقف لنا بالمرصاد ويقوض كل حركة إيجابية نحو العلم والفهم والمستقبل.
ويعيدنا كرّتنا الأولى نصرخ في الغابات ونضرب الصدور ويفوز طرزان بحبيبته شيتا ويأكلان مما تنتج الأرض.
لم يكن نظاماً غذائياً؛ أغلب الظن أنه لعنة حلّت على متبعيه فأفقدتهم السيطرة على أنفسهم في الأساس؛ صاروا أسرى في مملكة تحركها قوى خفية؛ تقنعهم بأن الأخضر قاتل واليابس مهلك؛ وأن دخان السيجارة الذي يرقد في الرئة إنما يحميها ويبطنها؛ وأن البيض واللبن والجبنة وكل الأبيض سام؛ وأن الطيور التي أحلها الله لم تكن سوى الحمام؛ أما ما عداها من دجاج وبط وأوز فهي كائنات قذفت إلينا من سطح المريخ لندمر بها صحة البشر.
صارت هنا اللعنة وكلما سارت أذهبت معها عقولاً؛ فخرج لنا الزومبي الجديد؛ ليس مخيفاً بمظهره؛ لكنه مرعب بمنطقه؛ لا تظهر عليه علامات الفناء إلا حينما يتحدث؛ ولا يصمد في جدال إلا حينما يغادره من يناقشه؛ فـ«إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ»، إذ احتوى القبر جسد أحدهم، الجسد فقط، بينما بقية أفكاره حية طليقة ترعى وتكبر وتنمو وتتعاظم وتتوغل وتنتشر بلا رادع، لا بد من وأدها؛ بل إن الفيروس الذي نشره أولى بالملاحقة والحصار من فيروس هانتا؛ عملاً بقاعدة أن كل ما يصيب الجسد له علاج، لكن ما يصيب العقل لا علاج له، وهؤلاء مصابون في عقولهم تلك التي سارت وراء جهل مطبق، حتى وإن قاله طبيب، حتى وإن نجح مع حالة، حتى وإن أصبح له مريدون ومرددون.
ورغم الخطوات الجادة والحاسمة التي اتُّخذت من قبل كل الجهات المسئولة لحصار فيديوهات ومقاطع وحلقات وأحاديث الطبيب الراحل، بكل ما تحمله من كوارث كان يجب أن تتحول إلى عريضة اتهام يحاسب عنها الرجل نقابياً وطبياً وقانونياً، لكن القدر سبق وأنقذه من مصير محتوم.
ورغم الجهد الكبير المبذول من قبل وزارة الصحة ومعهد الأورام ومعهد السكر ووسائل الإعلام على اختلافها لنشر ما يشبه المفاهيم الأساسية للتغذية والتحذيرات الضرورية من إيقاف أي علاج، لكن الأثر أخطر والنتائج أعمق، والتعليقات وردود الفعل على كل هذا تنذر بوجود شعب آخر، يدين بدين جديد، ونبي لم يرسَل، ودعوة من فرط شذوذها لم يلتف حولها إلا من أثم قلبه وفسد عقله.
وانطلقت الفتنة.
لم يعد كل ما سبق كافياً، لا الإعلام ولا الصحة، أصبح لازماً التدخل من سلطة لها إجراءات عقابية، تنقذ ما يمكن إنقاذه، لا بد أن تتحرك وزارة الداخلية، وتولي اهتماماً خاصاً بهذا الملف، بالطبع ليس مطلوباً تعقب كل من آمن بهذا النظام واتبعه، فكثرتهم ستحيل الأمر إلى مستحيل، لكن وجب ملاحقة فكرهم ومحاولاتهم المستميتة لنشر الفوضى من خلال هذا النظام، وقدرتهم على حصار كل الآراء التي تقول الحقيقة وتكشف كارثيته على مستخدميه، حتى وإن لم يتضرروا في حينه، لكنهم سيضارون حتماً.
يكفي أنهم يكذبون من أضيروا بالفعل، يشككون في روايات أسر الضحايا والمتضررين، يبكي الرجل زوجته التي توفيت بسبب نظام «الخزعبلات»، ويبلغ الطبيب عن سيدة طبقت النظام على ابنتها حتى رقدت في الرعاية المركزة في حالة خطرة، لكن شعب الخزعبلات ومريدي الطبيب الراحل لا يفقهون ولا يرون سوى «طيباتهم» التي صارت أكبر سوءات هذا المجتمع ونقطة سواد تتسع رقعتها.
لهذا، أصبح لزاماً على الجميع الإبلاغ عن هؤلاء، كمن يبلغ عن المنتحر أو من ينتوي الانتحار، بلاغ هدفه إنقاذ حياته، رده عن طريق الهلاك الذي اختاره، لا نلتمس له العذر، لكن التغييب يفعل أكثر من هذا، والحل دوماً في قبضة القانون، كل متضرر من حالة داخل محيطه الأسري يبلغ عنها ليحميها، وكل من يلاقي أحدهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي يبلغ عنه ليحمي المجتمع منه، في كلتا الحالتين لن يحال إلى قاضٍ طبيعي، ولن يحبس أو يسجن أو يصدر ضده قرار جنائي.
أتخيل أن تتعامل الداخلية مع هذه الحالات تعاملاً خاصاً، كمن يستتاب، كمن يستفيق من سبات، أتخيل أن تطبق فيه أحكام القانون التي تحمي المواطن من جراء سلوكياته الخاطئة، وأعتقد أنه إذا ساوى القانون بين الخزعبلات كنظام المخدرات، فكلاهما يصير ممنوعاً مجرّماً محرماً لما فيه من إيذاء للنفس وللمجتمع، لعاد كثيرون إلى صوابهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك