خشايارشا وإيران الحديثة: قراءة للثقاقة الإستراتيجية العابرة للأجياليروي جون لويس غاديس في كتابه On Grand Strategy قصة خشايارشا، ملك فارس الذي عبر الدردنيل بجيش لا يُحصى ليغزو اليونان قبل 2500 سنة.
لم يكن الرجل ضعيفاً، بل واثقاً من قوة جيشه إلى حدّ العمى.
تجاهل ما قاله مستشاروه عن البحر ومسافات الإمداد وحدود إمكانيات جيشه، ومضى.
وحين وصل، اكتشف أن الواقع جدا مختلف عن الخيال، وأن خصماً تستهين به قادر على أن يحوّل ضخامتك ذاتها إلى عبء يُثقل كاهلك.
انتهت الحملة بصدّ الإغريق للهجوم وكسر زخم الفرس، وكانت تلك بداية ضمور إمبراطورية ظنّت أن قوتها وحدها تكفي.
العبرة ليست في البُعد التاريخي، بل في تكرار النمط.
فإيران خلال العقود الثلاثة الماضية تصرفت بالمنطق ذاته: استغلال ضعف العراق ولبنان وسوريا واليمن وأفغانستان لزرع نفوذها عبر الوكلاء، ومحاولات بسط نفوذ في الخليج والقوقاز، وبرنامج نووي رفضه المجتمع الدولي.
وحين جاء الاتفاق النووي ورُفعت بعض العقوبات وأُفرج عن أموال مجمدة، لم تستثمر طهران اللحظة لتراجع حساباتها؛ بل وظّفت الفسحة المالية لمواصلة المسار نفسه.
الحرب الأخيرة كشفت هذا النمط بوضوح.
كان أمام إيران فرصة لا تُهدر: أن تقرأ تردد الخليج وأوروبا تجاه أي مواجهة أمريكية ـ إيرانية، وأن تبني عليه ضغطاً دبلوماسياً يكبح التصعيد.
كان ذلك ممكناً.
لكنها فعلت العكس.
وسّعت دائرة استهدافها لتشمل دول الخليج في أول لحظات الحرب والتركيز على الأهداف المدنية، وبزخم فاق ما وجّهته إلى إسرائيل، في وقت كانت تعجز فيه عن إيلام الولايات المتحدة مباشرة.
النتيجة أنها خسرت فرصتها السياسية بيدها، وحوّلت إقليماً كان يمكن أن يقف معها في خفض التصعيد إلى إقليم لا يثق فيها.
فإيران محاصرة بين دول لا تراها فاعلا مسؤولا من باكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان وتركيا والعراق ودول الخليج.
جوهر المشكلة أعمق من حسابات حرب بعينها.
طهران لا تزال ترى الإقليم ساحة مناورة، فيما تراه عواصم الخليج فضاءً للاستقرار والمصالح.
اقتصادات الخليج مرتبطة بالعالم؛ موانئها ومطاراتها واستثماراتها وسياحتها وحركة الأفكار فيها كلها تعتمد على بيئة هادئة يمكن التنبؤ بها.
ولا يمكن لدول مفتوحة بهذا الشكل أن تتعايش مع منطق يعيد تحويل المنطقة إلى مسرح للرسائل العسكرية كلما اشتدت أزمة طهران أو قصر كفهم عن تحقيق مبتغاهم.
أمام إيران اليوم خياران لا ثالث لهما.
إما أن توقف نزيفها بالدخول في مسار تفاوضي جاد يأخذ هواجس دول المنطقة، وفي مقدمتها الخليج، جزءاً أصيلاً من أي تسوية؛ وإما أن تواصل المسير في طريق العزلة والاستنزاف.
خشايارشا لم يخسر معركة فحسب، بل فتح باب ضمور دولته حين ظنّ أن جيشه قادر على إخضاع البحر.
وإيران تقترب من المصير ذاته حين تظن أن سلاحها ووكلاءها يُخضعون إقليماً لم يعد يقبل أن يكون حلبة لعربدة دول مثل إيران وإسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك