هناك ظاهرة اجتماعية عميقة في الثقافة السودانية (والعربية عموما)، وهي" اقتصاد الألقاب"، أو ما يمكن تسميته تحويل اللقب إلى مجاملة اجتماعية أكثر من كونه قيمة علمية أو مهنية.
تحكي النكتة السودانية أن رجلا يعمل في مجال التمريض اعتاد الناس أن ينادوه بلقب" دكتور"، فكان يستقبل اللقب بفرح شديد.
ذات مرة سمع أحد الأطباء ينادونه بلقب" دكتور"، فقال له: (أنت ما دكتور)، فرد عليه ببساطة: (يا دكتور، إنت لما يقولوا ليك يا دكتور ما بضيف ليك حاجة، لكن أنا كلمة دكتور بتريحني)! تختصر الطرفة واقعا اجتماعيا شائعا في السودان، حيث تستخدم الألقاب بمعناها غير الدقيق.
ورد اسم الله" الخبير" في القرآن الكريم في نحو 45 موضعا، غالبا مقترنا بأسماء مثل الحكيم، اللطيف، أو العليم، ليشير إلى إحاطة الله ببواطن الأمور ودقائقهافي كتابه" شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية"، ينتقد الدكتور منصور خالد استخدام كلمة" خبير"، ويرى أنها أصبحت كلمة مبتذلة ومفرغة من معناها الحقيقي، إذ تستخدم في غير موضعها حتى فقدت قيمتها العلمية والمهنية، وأضحت تقال من باب المجاملة.
ويؤكد د.
منصور أن" الخبير" لقب علمي يمنح نتيجة تراكم معرفي وتجربة طويلة موثقة.
ولا يكتفي منصور خالد بنقد الاستخدام الشائع للمصطلح، فيرى أن" الخبير" في كمال معناها المطلق هو الله عز وجل، لأنه من أسمائه الحسنى.
فقد ورد هذا الاسم في القرآن، ويقصد به الذي يحيط علمه بدقائق الأمور وخفاياها، العالم بالظاهر والباطن، وبما كان وما يكون.
ومن ثم فإن" الخبرة" في معناها الكامل تعني الإحاطة التامة والشاملة، وهو معنى لا يتحقق إلا لله.
ورد اسم الله" الخبير" في القرآن الكريم في نحو 45 موضعا، غالبا مقترنا بأسماء مثل الحكيم، اللطيف، أو العليم، ليشير إلى إحاطة الله ببواطن الأمور ودقائقها، ومن أبرزها: {وهو اللطيف الخبير} [الأنعام: 103]، {وهو الحكيم الخبير} [الأنعام: 18]، و{نبأني العليم الخبير} [التحريم: 3].
يوضح شيخ الأزهر د.
أحمد الطيب أن لفظ" الخبير" في أصله اللغوي يدل على العلم ببواطن الأمور والتعمق في خفاياها، وهو أخص من" العالم" الذي يحيط بظاهر الشيء، بينما الخبير ينفذ إلى أعماق الشيء.
ويطلق هذا الوصف على الإنسان إما لبلوغه درجة عالية من التعمق والمعرفة الدقيقة، أو لانتقاله من الجهل إلى العلم بعد السؤال والبحث والاستخبار.
ويضيف د.
الطيب أن هذا المعنى الإنساني يستلزم أمرين: الجهل السابق، والتغير اللاحق؛ أي التحول من عدم المعرفة إلى المعرفة.
ومن هنا، فإن هذا المعنى لا يفهم في حق الله، إذ إن علمه سبحانه لا يسبقه جهل ولا يلحقه تغير، لأنه من صفات النقص التي يتنزه عنها.
فالله" الخبير" علمه أزلي كامل، ليس مكتسبا ولا ناتجا عن تجربة أو استخبار، بل هو إحاطة مطلقة بكل ظاهر وباطن.
وعليه، فإن إطلاق" خبير" على الإنسان يظل وصفا نسبيا ومجازيا.
ومن هنا نطرح تساؤلا: لماذا لا نستخدم ألفاظا مثل" مختص" أو" باحث" أو" مستشار" أو" اختصاصي" بدلا من" خبير"؟قد لا يكون هناك حرج في إطلاق" خبير" على الإنسان من حيث الاستعمال اللغوي، لأنه يفهم على أنه وصف لخبرة محدودة مكتسبة.
غير أن استعماله بإطلاق قد يحمل قدرا من المبالغة، ويوحي بالإحاطة التامة، وهذه خص بها الله تعالى.
يظل وصف" خبير" أكثر عرضة للمبالغة لأنه يوحي بالإحاطة، في حين أن وصف" عالم" أدق في التعبير عن المعرفة المنضبطة.
والله أعلملذلك فإن الأدق في الخطاب العلمي والإعلامي استخدام ألفاظ مثل" مختص" أو" مستشار"، لأنها أكثر تحديدا وتعبر عن الكفاءة المهنية دون إيحاء بالكمال، وبما يحقق الدقة ويجنب المبالغة في الأوصاف.
نلاحظ في العلوم التطبيقية كالطب والصحة أن هناك هرما مهنيا صارما، تحدد فيه الألقاب بدقة؛ فمثلا الاستشاري هو من بلغ درجة عالية من الخبرة مع اعتماد رسمي وشهادات عليا، والاختصاصي من أكمل تدريبا تخصصيا في فرع محدد.
وهذه التسميات ليست مجرد أوصاف، بل رتب تنظيمية معترف بها قانونيا داخل النظام الصحي، وتترتب عليها صلاحيات ومسؤوليات (تشخيص، وصف علاج، إجراء عمليات).
أما في العلوم الإنسانية بفروعها المختلفة، فالوضع مختلف؛ إذ لا يوجد دائما سلم ترخيص صارم كالطب، وتعد المعرفة فيها تراكمية وتأويلية وليست إجرائية محضة.
أعتقد أن توصيف" عالم" هو الأكثر دقة، لأنه يملك معرفة منهجية تقوم على الدراسة والإحاطة بالأصول، {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، ويقصد بعباده العلماء أولئك الذين زادهم العلم بالله بصيرة، فازدادوا خشية وتقوى، بينما الخبير هو من تعمق في التفاصيل واكتسب معرفة دقيقة ببواطن الأمور عبر التجربة والممارسة.
لذلك، فيما أرى، يظل وصف" خبير" أكثر عرضة للمبالغة لأنه يوحي بالإحاطة، في حين أن وصف" عالم" أدق في التعبير عن المعرفة المنضبطة.
والله أعلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك