في العاشرة من عمري، وفي الصف الرابع تحديدًا، أضاءت في مخيلتي أول فكرة في حياتي، أو تساؤل إن صح التعبير.
كان السؤال هو: لماذا لا نطبق ما نقرأه في الكتب؟بمعنى آخر: لماذا الواقع مفصول تماما عما هو مكتوب في الكتب أو معلق على الجدران؟ ! لماذا لا نطبق ما يقوله الوعاظ، أو ما يطالب به الآباء والأمهات أبناءهم؟ حتى الحكم والأمثلة التي يحكيها لنا الأجداد لا يؤخذ بها!حدث ذلك حين سمعت معلم الدين، في درس الحديث، يقرأ: (لا يحل لامرئ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام).
كنت وقتها في خصام مع زميلي في الفصل، وقد صادف ذلك اليوم مرور 3 أيام على خصامنا.
وحين سمعت معلمي يقرأ نص الحديث، كنت أتمنى أن يتنبه ويطرح سؤالا علينا يقول فيه: من منكم لا يكلم زميله؟ من منكم متخاصم مع زميله أكثر من ثلاثة أيام؟ كم كنت أراها فرصة لأن يتحول الدرس النظري إلى درس عملي مباشر! كنت أرى أن ثمرة هذا الدرس جاهزة للقطف.
كنت أنتظر أن يبدأ بالمصالحة بيننا، ثم يقول: شكرًا لكما، لأنكما اتبعتما توجيهات نبيكما.
وحين انتهت الحصة الدراسية، انتهت معها فرصة التصالح التي أضاعها ذلك المعلم.
لكن التساؤل بقي مفتوحا، بل ازداد تركيزي عليه: لماذا هذا الفصل العجيب بين الواقع والمكتوب؟ لماذا يوجد عالم رائع مكتوب على الورق، وواقع لا يشبه ذلك العالم؟العجيب أن أغلب هذه التناقضات كانت في ذات المدرسة.
أتذكر أنني كنت أتحاشى الدخول إلى دورات المياه القذرة، بالرغم من أنه مكتوب على جدرانها: (النظافة من الإيمان).
كنت أتساءل: هل هذا الشخص الذي كتب هذه العبارة هو ذاته المسؤول عن دورات المياه؟ ! هل يقصد نظافة أخرى في مكان آخر، أم يقصد هذه المدرسة؟دب اليأس، وبدأ ذلك التساؤل الكبير يتقلص حتى أصبح مجرد سؤال صغير.
شخصيًا، وصلت إلى مرحلة لا أكتب فيها شيئًا، ولا أرفع شعارًا، ولا أعلق لوحة جدارية في منزلي أو مكتبيكبرت، وكبر معي هذا التساؤل، ولا توجد إجابة.
فعلى سبيل المثال: تعليمات الدواء المصاحبة للعلاج لا تقرأ، وترمى في سلة المهملات بدلا من الالتزام بها.
وقبل الدخول إلى المسجد، تجد لوحة مكتوبا عليها: (ضع حذاءك في هذا الرف)، وفي الواقع لا توجد فردة حذاء واحدة في ذلك الرف الخالي!وخطب الجمعة يسمعها مئات المصلين، لكن كلمات الخطيب تخرج من أبواب المسجد قبل أن يخرج المصلون.
وكذلك خطب الأعياد تحث على الصفح والعفو والمسامحة، وقليل من يقدم على ذلك.
ومن يكتب على النافذة الخلفية لسيارته: (الصبر جميل)، أو (إن الله مع الصابرين)، هو في الغالب أكثر السائقين انزعاجًا وتذمرًا من زحمة الطريق.
والسياسيون في مرحلة الانتخابات يقولون ما لا يفعلون بعد الفوز، والموظف المضغوط في عمله ينسى أنه كتب في سيرته الذاتية: (القدرة على تحمل ضغط العمل).
عجبي لهذا المكتوب! متى يطبق؟ متى أراه واقعا؟ عجبي لهذه النصوص المحنطة، متى تبث فيها الروح؟في حقيقة الأمر، دب اليأس، وبدأ ذلك التساؤل الكبير يتقلص حتى أصبح مجرد سؤال صغير.
شخصيا، وصلت إلى مرحلة لا أكتب فيها شيئا، ولا أرفع شعارا، ولا أعلق لوحة جدارية في منزلي أو مكتبي.
حتى في عصر التواصل، لا أكتب أي عبارة في التعريف الشخصي (bio)، مخافة الوقوع في ذات الخطأ، وأن أكون ممن يقولون ما لا يفعلون.
في طفولتي، كانت لنا جارة تبيع الساندويتشات من منزلها، وكنا نحب طعامها ونشتري منها باستمرار.
كانت تغلف الساندويتشات بورق الصحف، وكأنها تقول: ما في داخل هذه الورقة خير مما كُتب عليها! كأنها تقول: اهضم ما يفيدك، وألق ما لا ينفعك في سلة المهملات.
وهنا عودة إلى الفكرة الأولى: الكلام المكتوب لا قيمة له… فما الحل؟أعتقد أن الحل لهذه الإشكالية موجود، ويسهل تطبيقه في المجتمعات المسلمة بشكل أكبر، وهو اعتماد نموذج القدوة بدلا من الشعار.
فمن يفسح الطريق لغيره هو من الصابرين، ومن يعفو عمن أخطأ في حقه فهو من المحسنين، ومن يسبق أولاده إلى فعل الخير والصدقة وصلة الرحم، سيلحقون به لا محالة.
القرآن الكريم، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
القرآن الذي نزل من السماء، ومحمد بن عبد الله الذي بعث من الأرض.
فالكلام كلام الله، والأفعال أفعال محمد صلى الله عليه وسلمإذن، هذه هي “الأفعال المنطوقة”، وهذا ما نحتاجه باختصار، دون تكلف أو استهتار.
هذه الأفعال لا تحتاج من يكتبها أو يوصي بها، فالمكان النظيف يفرض نفسه، ويقوي إيمانك دون لوحة على الجدار.
وتطبيق نظام الرصد الآلي للسرعة حافظ على حياة الناس أكثر من كثير من الرسائل التوعوية.
وزيادة دخل الفرد أحب إلى النفس من كثرة الشعارات.
في نهاية بحثي، وبعد مرور عقدين من الزمن على ذلك التساؤل، كانت الإجابة كالتالي: إن أعظم وأصدق نموذج يجمع بين الكلام المكتوب على الورق والأفعال على الأرض، هو ذلك الاقتران الذي حصل قبل 14 قرنا.
ذلك الحدث العظيم، والفجر الجديد للعالمين.
القرآن الكريم، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
القرآن الذي نزل من السماء، ومحمد بن عبد الله الذي بعث من الأرض.
فالكلام كلام الله، والأفعال أفعال محمد صلى الله عليه وسلم.
حين تأملت ذلك الوصف الذي قيل فيه: " كان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض"، هنا فقط وجدت الإجابة.
وانتهت الأسئلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك