في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا تعتمد على السرعة والذكاء الصناعي والإعدادات الجاهزة، يختار المصور الليبي ساسي حريب العودة إلى جوهر الصورة؛ إلى اللحظة الخام، والضوء، والظل، والإحساس الحقيقي بالمشهد.
يُعرف ساسي حريب باهتمامه بالتفاصيل البصرية واللقطات ذات الطابع السينمائي، حيث يميل في أعماله إلى بناء صورة تحمل إحساساً هادئاً وعميقاً، بعيداً عن المبالغة البصرية أو المعالجة المفرطة.
وفي تجربته الأخيرة، خاض رحلة مختلفة باستخدام كاميرا «لايكا كيو تو - Leica Q2»، معتمداً بالكامل على التصوير اليدوي «Manual» وبالأبيض والأسود فقط، في محاولة لاستعادة روح التصوير الكلاسيكي والاقتراب أكثر من فلسفة الصورة ذاتها.
في هذا الحوار مع «بوابة الوسط»، يتحدث ساسي حريب عن تجربته الأولى مع كاميرا «لايكا»، وعن علاقته بالضوء والظل، وكيف يمكن للتصوير اليدوي والأبيض والأسود أن يغيّرا نظرة المصور إلى الصورة وتفاصيلها.
كيف بدأت فكرتك لخوض تجربة التصوير للمرة الأولى باستخدام كاميرا «لايكا كيو تو» وما الذي جذبك إليها تحديداً؟بدأت الفكرة من رغبتي في العودة للاستمتاع بالتصوير بطريقة أبسط وأكثر قرباً من الإحساس الحقيقي بالصورة، بعيداً عن كثرة التعديلات والإعدادات الحديثة.
أكثر ما جذبني في الكاميرا أنها أعادت إليّ شعور وذكريات أيام التصوير قبل العصر الرقمي، حين كان التركيز منصباً على اللحظة نفسها وعلى الإحساس بالصورة، لا على كثرة المؤثرات والتعديلات.
كاميرا «لايكا كيو تو» منحتني ذلك الطابع الكلاسيكي والبساطة التي تجعلك تستمتع بكل لقطة وكأنها صورة ملتقطة بفيلم قديم.
اعتمدت في هذه التجربة على إعدادات «مانيوال» بالكامل، كيف أثّر ذلك على طريقة رؤيتك للصورة أثناء التصوير؟اعتمدت بشكل كامل على الإعدادات اليدوية، لأن كل مشهد يحتاج إلى إعدادات مختلفة بحسب طبيعة الضوء والمكان المحيط.
هذا الأمر جعلني أركز أكثر على تفاصيل الصورة قبل الضغط على زر الالتقاط، سواء من ناحية الإضاءة أو الظلال أو تكوين المشهد نفسه.
التصوير اليدوي منحني إحساساً أعمق بالتحكم والإبداع، وجعل كل لقطة مدروسة بعناية بدل الاعتماد الكامل على الإعدادات التلقائية، وهو ما زاد من متعتي بهذه التجربة مع كاميرا «لايكا كيو تو».
اخترت التصوير بالأبيض والأسود فقط، هل كان القرار مرتبطاً بحالة شعورية معينة أم برغبتك في إبراز التفاصيل بعيداً عن تشتيت الألوان؟اختياري للتصوير بالأبيض والأسود جاء من رغبتي في إبراز التفاصيل والإحساس داخل الصورة بعيداً عن تشتيت الألوان.
الأبيض والأسود يجعلني أركز أكثر على الضوء والظل وتعبير المشهد نفسه، وكأنه يمنح الصورة روحاً وطابعاً كلاسيكياً مختلفاً.
وفي الوقت نفسه، كان هناك جانب شعوري أيضاً، لأن هذا النوع من التصوير يمنحني دائماً إحساساً بالهدوء والعمق، ويعيدني إلى أجواء التصوير القديمة.
تحدثت عن إحساس مختلف أثناء استخدام «لايكا كيو تو»، كيف يمكن أن تصف هذا الإحساس مقارنة بتجاربك السابقة مع الكاميرات الأخرى؟في السابق كنت أستخدم كاميرات حديثة مليئة بالخيارات الإلكترونية والإعدادات الكثيرة، وكان كل شيء فيها سريعاً ومعتمداً بشكل كبير على التقنية.
أما مع «لايكا كيو تو» فكان الإحساس مختلفاً تماماً، وكأنك تعود إلى أسلوب تصوير أبسط وأكثر قرباً من المصور نفسه، حيث يصبح التركيز على اللحظة والإضاءة وتكوين الصورة أكثر من التركيز على كثرة الخيارات.
شعرت أن علاقتي مع الكاميرا أصبحت أهدأ وأعمق، وكأن لكل لقطة قيمة خاصة وتفكيراً يسبق التقاطها، وهذا ما منحني متعة مختلفة عن تجاربي السابقة.
إلى أي مدى ساعدك التركيز على الضوء والظل في بناء هوية بصرية خاصة لهذه التجربة؟ وهل هناك لقطة شعرت أنها اختصرت فلسفة المشروع بالكامل؟كان التركيز على الضوء والظل عنصراً أساسياً في بناء الهوية البصرية لهذه التجربة، لأن التصوير بالأبيض والأسود يعتمد بدرجة كبيرة على التباين والإحساس أكثر من اعتماده على الألوان.
كنت أحاول أن أجعل الضوء يقود المشهد ويُبرز التفاصيل والمشاعر بطريقة هادئة وعميقة، وهو ما منح الصور طابعاً أقرب إلى السينما والتصوير الكلاسيكي.
وهناك بالفعل لقطة شعرت أنها اختصرت فلسفة المشروع بالكامل، لأنها جمعت بين بساطة المشهد وقوة الضوء والظل، وكأنها تروي الفكرة من دون أي كلمات.
بعد هذه التجربة، هل ترى أن التصوير المانيوال والأبيض والأسود يمكن أن يغيّر علاقة المصور بالصورة، وربما يجعله أكثر صبراً وتأملاً في التفاصيل؟بالتأكيد، لأن التصوير اليدوي والأبيض والأسود يجعل المصور يعيش اللحظة بكل تفاصيلها، بدل الاعتماد على السرعة والإعدادات الجاهزة.
كل لقطة تحتاج إلى تركيز وصبر في قراءة الضوء والظل وتكوين المشهد، وهذا ما يجعل العلاقة مع الصورة أعمق وأكثر قرباً من الإحساس الحقيقي بالمشهد.
حتى التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه لها المصور في التصوير العادي، يبدأ برؤيتها بشكل أوضح، وكأنه يتأمل الصورة قبل التقاطها، وهذا ما يمنح التجربة قيمة مختلفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك