عادت الشاعرة الليبية الراحلة حذام بن قدارة – فكيني إلى الواجهة الثقافية مجددًا، عبر إصدار حديث يحمل عنوان «الأعمال الشعرية الكاملة»، ويضم أعمالها الشعرية إلى جانب مختارات من أعمالها التشكيلية، في خطوة توثيقية تعيد تقديم واحدة من أوائل الأصوات النسائية الليبية التي كتبت الشعر باللغة الإنجليزية في القرن العشرين.
ويأتي الإصدار الجديد بعد نحو أربعة عقود على رحيل الشاعرة في فرنسا العام 1988، ليكشف جوانب متعددة من تجربتها الإبداعية والإنسانية، بوصفها شاعرة ورسامة ودبلوماسية تنتمي إلى جيل ليبي مبكر عاش بين الثقافة العربية والفضاء الأوروبي.
-إصدارات جديدة للشاعر عبدالله النائلي-إصدار ثلاثي يوثق مقالات محمد العمامي المنشورة بـ«الوسط».
من الصحافة إلى الكتابوبحسب المعلومات الواردة في مقدمة الكتاب، فإن حذام بن قدارة – فكيني تخرجت في جامعة كامبردج الإنجليزية العام 1956، ولفتت الأنظار منذ سنوات دراستها بموهبتها الأدبية والفنية، قبل أن تتجه إلى كتابة الشعر باللغة الإنجليزية، في تجربة نادرة لامرأة ليبية في تلك الفترة.
ويشير الإصدار إلى أن الشاعرة لم تكتفِ بالكتابة، بل كانت تمارس الرسم أيضًا، وقد ضمّ المجلد الجديد مختارات من أعمالها التشكيلية، التي تعكس عالمًا بصريًا قريبًا من روح قصائدها، بما تحمله من حسّ تأملي ونزعة رمزية واهتمام بالأسطورة والذاكرة والحنين.
وتكشف الصفحات التعريفية بالكتاب أن حذام فكيني عملت مندوبة لليبيا لدى الأمم المتحدة في نيويورك خلال مطلع ستينيات القرن الماضي، لتكون من أوائل الليبيات اللواتي جمعن بين النشاط الثقافي والعمل الدبلوماسي في مرحلة مبكرة من تاريخ الدولة الليبية الحديثة.
كما تنتمي الشاعرة إلى عائلة سياسية ووطنية معروفة؛ فهي ابنة السيد منصور بن قدارة، أحد الشخصيات الوطنية الليبية التي لعبت دورًا خلال مرحلة الكفاح من أجل استقلال ليبيا، فيما ارتبط اسمها لاحقًا بالدكتور محيي الدين فكيني، السياسي الليبي البارز الذي تزوجته مطلع العام 1957، قبل أن يتولى رئاسة وزراء ليبيا بين مارس 1963 ويناير 1964.
وعلى الرغم من هذا الحضور السياسي والاجتماعي، فضّلت حذام فكيني أن تصنع مسارها الخاص عبر الأدب والفن، حيث أصدرت عددًا من الدواوين باللغة الإنجليزية في لندن خلال سبعينيات القرن الماضي، من بينها:وقد عُرفت قصائدها بلغتها الهادئة والمشحونة بالتأمل والحنين، مع حضور واضح لموضوعات الحب والمنفى والأسطورة والهوية والبحث الروحي، وهي موضوعات جعلت بعض الباحثين يعتبرونها من الأصوات النسائية الليبية المبكرة التي تجاوزت الحدود المحلية وكتبت بروح عالمية.
وجُمعت بعض أعمالها سابقًا في إصدار بعنوان «The Collected Works of Hazami Gadara-Fekini»، صدر في لندن خلال سبعينيات القرن الماضي، إلا أن النسخ بقيت محدودة التداول ونادرة الوجود، ما جعل إعادة نشر أعمالها اليوم بمثابة استعادة لذاكرة أدبية كادت أن تختفي.
ويحمل الإصدار الجديد شعار مؤسسة «EMKAN Printing»، التي تولّت إعادة طباعة الأعمال الكاملة للشاعرة بعد وفاتها بسنوات طويلة، ضمن مشروع يبدو معنيًا بإحياء التراث الثقافي الليبي وإعادة تقديم الشخصيات الأدبية المنسية.
ويظهر على غلاف الكتاب صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود للشاعرة في مرحلة الشباب، مرتدية قبعة منقطة، في صورة تحمل طابعًا سينمائيًا يعكس روح تلك المرحلة الزمنية، بينما تتجاور داخل الصفحات القصائد مع الرسومات والأعمال الفنية، في تصميم يربط بين الشعر والصورة والذاكرة.
ويعيد هذا الإصدار طرح أسئلة مهمة حول الكاتبات الليبيات اللواتي كتبن خارج السياق المحلي، وضاعت أعمالهن بين المنافي والطبعات المحدودة والأرشيفات الخاصة، قبل أن تعود أسماؤهن اليوم عبر مبادرات فردية تسعى إلى إنقاذ الذاكرة الثقافية الليبية من النسيان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك