" لم يعد مجرد تمييز تخطيطي، بل سياسة لإعادة تشكيل القدس عبر إقصاء الفلسطينيين وتجريدهم من أراضيهم"، تلك كانت خلاصة دراسة لجمعية إسرائيلية بعد ثمانية أعوام من إطلاق إسرائيل عملية تسجيل الأراضي في مدينة القدس.
واحد في المئة فقط من الأراضي التي أجريت فيها عملية التسوية بعد أن استأنفتها إسرائيل سجلت باسم ملاكها الفلسطينيين، و82 في المئة باسم دولة إسرائيل وبلديتها في القدس.
وتبلغ مساحة مدينة القدس الشرقية 72 ألف دونم (72 كلم) تقع الأحياء الفلسطينية على 49 كلم منها، ويبلغ عدد الفلسطينيين فيها نحو 400 ألف نسمة.
وبعد تجميد إسرائيل عملية تسجيل الأراضي، إثر احتلالها مدينة القدس في عام 1967، عادت واستأنفتها عام 2018، في ظل عزوف الفلسطينيين عن العملية باعتبارها" أداة إضافية لتجريد السكان الفلسطينيين من أراضيهم".
وقبل الاحتلال الإسرائيلي للقدس، 16 في المئة فقط من أراضيها كانت مسجلة بأسماء أصحابها.
وبحسب جمعية" بمكوم" الإسرائيلية المتخصصة بالتخطيط العمراني وحقوق الإنسان، فإن تلك الإجراءات" تهدف إلى تسريع توسيع المستوطنات، ومنع الفلسطينيين من البناء في مدينة القدس".
وخلال الأعوام الثمانية الماضية، تمكنت السلطات الإسرائيلية من تسجيل 2300 دونم (ثلاثة في المئة من مساحة القدس) من أصل 9 آلاف بدأت العمل عليها.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن معظم الأراضي المسجلة كانت غير مأهولة بالسكان، وقريبة من المستوطنات الإسرائيلية، مما يشير إلى مخططات إسرائيلية لمصادرتها لصالح توسيع المستوطنات.
وخلال تلك العملية، لم يسجل سوى واحد في المئة باسم مالكين فلسطينيين، في مقابل 82 في المئة من الأراضي قيدت باسم الدولة وهيئاتها المختلفة مثل الصندوق القومي اليهودي ووصي أملاك الغائبين وهيئة التطوير، أو باسم بلدية القدس.
كذلك سجل تسعة في المئة منها بصورة غير مكتملة (لمالكين مجهولين) مع شرط إدارة لصالح (الوصي العام)، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى ملكية يهودية خاصة أو تابعة لشركات في المستقبل.
وباسم مالكين يهود أفراداً أو شركات تجارية مرتبطة بالمشروع الاستيطاني، سجل أربعة في المئة إضافية، إلى جانب تسجيل أربعة في المئة باسم الكنائس المسيحية.
ومع أن سلطة الأراضي الإسرائيلية أعلنت بدء عملية التسجيل في بعض مناطق بيت حنينا شمال القدس المأهولة بالفلسطينيين، لكنهم أحجموا عن التسجيل بسبب خشيتهم من" ضياع أراضيهم".
واضطرت السلطة إلى تمديد عملية التسجيل، وإلى تجميدها إلى أمد غير محدد.
فعملية تسجيل الأراضي ليست إجراء إدارياً فقط، لكنها تؤثر في منح ترخيص البناء للفلسطينيين في القدس.
وأشارت معطيات جمعية" بمكوم" إلى" تصعيد خطر في سياسات التمييز التخطيطي ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية".
لذلك فإن سلطات التخطيط الإسرائيلية صادقت خلال عام 2025 على 600 وحدة سكنية فقط للفلسطينيين في القدس، في مقابل 9 آلاف وحدة سكنية لليهود.
وذلك يعني المصادقة على سبعة في المئة فقط من مجمل الوحدات السكنية، التي تمت المصادقة عليها في القدس.
وتعكس هذه المعطيات" حالة تجميد متفاقمة للتخطيط العمراني للفلسطينيين في مقابل تسريع واسع للبناء الاستيطاني والتوسع اليهودي في مختلف أنحاء المدينة"، وفقط الجمعية.
وأوضحت الجمعية أن أحد الأسباب الرئيسة لذلك التمييز" يعود لتشديد الإجراءات المتعلقة بإثبات ملكية الأراضي، كشرط للمصادقة على مخططات البناء وإصدار التراخيص".
و" تمس تلك الإجراءات بالفلسطينيين في القدس، حيث غالبية الأراضي لا تزال غير مسجلة رسمياً"، وفق جمعية (بمكوم).
وأشارت الجمعية إلى وجود" علاقة مباشرة بين تجميد التخطيط للفلسطينيين، وبين استئناف إجراءات تسوية الأراضي في القدس الشرقية".
ورأت روان شلالدة المهندسة في جمعية" بمكوم" أن" إجراء معظم عمليات تسجيل الأراضي في مناطق فارغة وقريبة من المستوطنات يظهر الهدف منها، وهو مصادرة الأراضي".
وأوضحت أن عملية التسجيل" معقدة"، وأن حارس أملاك الغائبين موجود دائماً في العملية بسبب الشروط القاسية والأوراق المطلوبة للعملية، التي تتيح السيطرة على تلك الأراضي في حال وجود أحد أصحابها خارج القدس لفترة زمنية لا تتجاوز الـ10 أعوام".
المنظومة العثمانية - الأردنيةوحول منطقة بيت حنينا، أشارت شلالدة إلى أن" تجميد عملية التسوية فيها جاء بسبب عزوف الفلسطينيين عن ذلك، وامتلاكهم رخص بناء فوق أراضيهم، وجدول حقوق فيها".
ويعتقد مخطط المدن والجغرافي الحضري والإقليمي راسم خمايسة أن عمليات تسوية الأراضي" تمنح الدولة ومؤسساتها الأحقية في ملكية الأراضي إذا لم يثبت الفلسطيني في القدس بأنها تعود له".
وأضاف أن ذلك الإثبات" يتطلب وثائق كثيرة غير متوفرة، وذلك لأن منظومة ترتيب الأرض ونقلها في المجتمع الفلسطيني تعتمد المنظومة العثمانية - الأردنية التي تحترم الأعراف".
وأوضح أن نظام التسوية الإسرائيلية" خلق إشكالات للفلسطينيين في القدس، وفتح الباب أمام مصادرة الأراضي في حال كان أحد أصحابها يقيم خارج مدينة القدس".
وبحسب خمايسة، فإن" الهدف النهائي من عملية التسوية ليس ترتيب الأرض وإحقاق الحقوق لأصحابها، وإنما مصادرتها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك