سعاد رابح سيدة سودانية في منتصف الثلاثينيات تقيم داخل مركز إيواء بمدينة بورتسودان (شرق البلاد) بعد نزوحها من إحدى ولايات دارفور، وفق روايتها، وقد تعرضت لاعتداء جنسي أثناء رحلة فرارها من مناطق الاشتباك عام 2024 في سياق انهيار أمني واسع وانقطاع طرق الحماية المدنية.
لم يتم توثيق الحادثة رسمياً، وكذلك لم تتلق أي تدخل طبي طارئ خلال الساعات الأولى.
لاحقاً، تم تشخيصها بحمل داخل مركز صحي محدود الإمكانات، من دون بروتوكول متخصص للتعامل مع حالات العنف الجنسي، ولا إحالة إلى مراكز دعم نفسي أو قانوني.
هذه الحال تأتي ضمن سياق أوسع، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 12 مليون شخص في السودان معرضون للعنف القائم على النوع الاجتماعي، مع نزوح يتجاوز 10 ملايين.
فكيف تركت جرائم العنف الجنسي التي ارتكبت خلال حرب السودان آثاراً مستمرة تشمل الحمل القسري، والوصمة الاجتماعية، وانهيار خدمات الرعاية؟في ظل انهيار النظام الصحي بمناطق واسعة من السودان، تتحول حالات العنف الجنسي إلى مسارات طبية معقدة، أبرزها الحمل غير المرغوب فيه.
توضح نبيلة المصطفى، وهي طبيبة تعمل في خدمات الصحة الإنجابية داخل مراكز النزوح، أن" السودان يواجه فجوة كبيرة في الرعاية الطارئة بعد الاعتداء الجنسي، بما في ذلك غياب وسائل منع الحمل الطارئة خلال الساعات الأولى.
بينما تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن نحو 1.
75 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب في حاجة إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الكوادر والإمدادات، وتفيد تقارير أممية بأن النظام الصحي المتضرر لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياج الفعلي، مع خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة أو عملها بصورة جزئية فقط".
وتابعت المصطفى" يتم اكتشاف حالات الحمل الناتج من العنف الجنسي غالباً في مراحل متأخرة، من دون تدخل طبي أو نفسي مبكر، مع غياب بروتوكولات موحدة داخل النظام الصحي، مما يعمق الفجوة في الاستجابة، ويجعل التعامل مع هذه الحالات مجزأ وغير منظم".
في السياق تقول خالدة عيسى، وهي طبيبة تعمل ضمن برامج الصحة الإنجابية في مناطق النزوح، إن" الحمل الناتج من الاغتصاب يمثل تحدياً مركباً يتداخل فيه الطبي مع القانوني والاجتماعي.
وغياب خدمات الاستجابة الطارئة مثل وسائل منع الحمل الطارئة في الساعات والأيام الأولى بعد الاعتداء يؤدي إلى ارتفاع احتمالات حدوث الحمل".
وتضيف عيسى أن" البيانات الصادرة عن منظمات دولية، بينها صندوق الأمم المتحدة للسكان، تظهر أن نسبة كبيرة من النساء في مناطق النزاع لا يحصلن على الحد الأدنى من خدمات الصحة الإنجابية، بما في ذلك الفحص المبكر، والرعاية أثناء الحمل، والمتابعة بعد الولادة.
فهذا النقص ينعكس بصورة مباشرة على حالات الحمل الناتج من العنف الجنسي، إذ يتم اكتشافها غالباً في مراحل متأخرة".
وتوضح الطبيبة أن" القيود القانونية المفروضة على الإجهاض في عدد من الدول، إلى جانب ضعف البنية التحتية الصحية تترك النساء أمام خيارات محدودة، وفي بعض الحالات يلجأن إلى ممارسات غير آمنة لإنهاء الحمل، مما يزيد من معدلات المضاعفات الصحية، بما في ذلك النزف الحاد والعدوى، وهي من الأسباب الرئيسة للوفيات المرتبطة بالحمل في البيئات الهشة".
الوصمة الاجتماعية تبقى أحد أبرز العوائق أمام الإبلاغ عن العنف الجنسي في السودان، خصوصاً في سياقات النزاع والنزوح، إذ إن نسبة الإبلاغ تبقى منخفضة بصورة كبيرة مقارنة بحجم المؤشرات غير المباشرة.
تقول الاختصاصية الاجتماعية ناهد صلاح إن" كثيراً من الحالات لا تصل إلى الجهات الرسمية، بسبب الخوف من ردود الفعل الأسرية أو المجتمعية، والتي قد تشمل اللوم أو العزل أو فقدان الحماية الاجتماعية.
وفي بعض الحالات، يتم التعامل مع الواقعة داخل الإطار الأسري من دون إحالة قانونية، مما يؤدي إلى استمرار غياب التوثيق الرسمي".
وتبين صلاح أن" الأطفال المولودين نتيجة هذه الحالات يواجهون تحديات تتعلق بالتسجيل المدني والاندماج الاجتماعي في ظل بيئات لا توفر اعترافاً واضحاً بوضعهم القانوني.
والوصمة لا تؤثر فقط في الإبلاغ بل تمتد إلى الوصول إلى الخدمات الصحية، إذ تتجنب بعض الناجيات المراكز الطبية خوفاً من انكشاف التجربة أو التعرض للحكم الاجتماعي".
تواجه خدمات الصحة النفسية والرعاية المتخصصة للناجيات من العنف الجنسي في السودان ضغطاً كبيراً مع استمرار النزاع، في وقت يعاني فيه النظام الصحي انهياراً واسعاً، مع خروج نسبة كبيرة من المرافق عن الخدمة، مما ينعكس على خدمات الصحة الإنجابية والنفسية.
الاختصاصية النفسية سلمى أحمد تقول إن" غياب الخصوصية داخل مراكز الإيواء، إلى جانب نقص الكوادر المدربة، يحد من قدرة النساء على طلب الدعم أو الحديث عن تجاربهن، إضافة إلى أن الاستجابة الإنسانية الحالية، على رغم تدخلات من منظمات دولية، لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياج، بخاصة في ظل اتساع رقعة النزوح واستمرار تدهور الخدمات الأساسية".
وأردفت أن" غياب التكامل بين الدعم الطبي والنفسي والقانوني يؤدي إلى استمرار آثار العنف لفترات طويلة من دون إطار واضح للتعافي".
وتعاني البيئة القانونية في السودان خلال الحرب الحالية ضعفاً واضحاً في آليات الإبلاغ والتحقيق في جرائم العنف الجنسي.
وتشير تقديرات حقوقية إلى تسجيل ما لا يقل عن 500 حالة موثقة من العنف الجنسي خلال عام 2025، مع تأكيد أن العدد الفعلي أعلى بكثير نتيجة نقص الإبلاغ وصعوبة الوصول إلى الضحايا.
في المقابل، أدت الحرب إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخلياً وخارجياً، مما زاد من تعقيد عمليات التوثيق والمتابعة القانونية.
يوضح الباحث القانوني محمد الأمين أن" غياب الحماية الفعلية للضحايا والشهود، إلى جانب ضعف مؤسسات إنفاذ القانون في مناطق النزاع، يجعل الإبلاغ خياراً عالي الأخطار.
ووجود جماعات مسلحة في بعض المناطق يعزز من مخاوف الانتقام، مما يدفع كثيراً من الضحايا إلى الامتناع عن الإبلاغ".
ويشير الأمين إلى أن" الفجوة بين حجم الانتهاكات الموثقة بصورة غير رسمية وعدد القضايا التي تصل إلى القضاء تعكس انهياراً في منظومة العدالة، وليس انخفاضاً في معدلات الجرائم نفسها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك