هي على الأرجح واحدة من أطول القصائد الشعرية التي كتبت خلال الربع الثاني من القرن الـ20، ولعل ما يقال إن كاتبها اشتغل عليها ما يزيد على 3333 يوماً صحيح، إذ نعرف أن هذا الشاعر بدأ العمل عليها عام 1924 لينجزها تماماً بطولها الاستثنائي عام 1938.
وتعتبر تلك الفترة التي استغرقها شاعرنا المقصود هنا نيكوس كازانتزاكيس لإنجاز القصيدة التي نتحدث عنها والتي عنونها" الأوديسة"، واحدة من أكثر مراحل حياته غرابة وخصوبة.
وكذلك تعتبر المرحلة التي أشعرته بقدر كبير من الغضب السياسي وقد بدأت أحلامه الفكرية تنهار، بعدما كانت أحلاماً أممية، تنهل من الفكر الماركسي الذي كان يحمله ويتحمس له ليصل إلى ذروته في ذلك مع اندلاع الثورة البلشفية التي وقف مناصراً لها مثل معظم المبدعين الأوروبيين في ذلك الحين، لكن موت لينين ومن بعده سيطرة ستالين على السلطة في الإمبراطورية الجديدة، قلبا الأمور، ليس بالنسبة إليه هو وحده، بل بالنسبة إلى معظم الشرفاء التغييريين في العالم، وتحديداً أولئك الذين أغضبهم وصف لينين لهم بكونهم" حمقى نافعين"، غير أن هذا كله لا علاقة له بموضوعنا هنا، فالموضوع هو ببساطة، تلك القصيدة المدهشة، التي من أغرب الأمور أنها لم تنل من الاهتمام بالنسبة إلى قراء كازانتزاكيس، ما ستناله أعماله التالية خلال العقدين اللاحقين وصولاً إلى نيله جائزة" نوبل" للأدب عام 1946.
فالحال أننا إذا ذكرنا اليوم نيكوس كازانتزاكيس (1883 - 1957) ستخطر في بالنا روايته الأشهر" ألكسيس زوربا"، أو نصه الكبير" الأخوة الأعداء"، أو حتى" آخر إغواء للسيد المسيح"، ولكنك إن ذكرت" الأوديسة" التي تحمل توقيعه سيخيل إلى معظم محدثيك، أنك تتحدث عن" تحديث ما" أجراه على ملحمة هوميروس الخالدة، أسوة بما فعل كثر، أو سيفترضون أنك تقصد اشتغالاً تنويعياً على شخصية يوليسيوس يضاهي ما اشتغل عليه عشرات الكتاب المبدعين.
غير أن كل هذه التخمينات ستذروها الرياح حين ينكب القارئ فعلاً على تلك الأبيات الغريبة في ترقيمها، التي أبدع فيها كازانتزاكيس نصاً يحاول فيه ليس أن يعدل في" الأوديسة" القديمة، بل أن يستعملها وانطلاقاً من سؤال بدا بالنسبة إليه مشروعاً، ومن المدهش أن أحداً لم يطرحه على نفسه لدى انتهائه من قراءة النص الهوميري، وهو في دهشة مما كان يمكن أن يكون يوليسيوس قد فعل بعد عودته المظفرة إلى إيثاكا، وإلى امرأته بينيلوب، ومن ثم إلى عرشه وحياته القديمة.
بالنسبة إلى الملحمة العتيقة: يقيننا أننا لا نعرف وقد لا يهمنا أن نعرف ماذا فعل يوليسيوس، ولكن الصورة تختلف تماماً بالنسبة إلى شاعر القرن الـ20 وأحد أبطال الحداثة الإنسانية الأدبية في ذلك القرن.
ومن الواضح أن هذا السؤال قادر على أن يأخذ بيدنا، كما أخذ بيد كازانتزاكيس ليوصلنا إلى ما يجمع النقاد، النخبويون، على أنه واحد من أضخم الأعمال الشعرية في القرن الماضي، العمل الذي كرس له الكاتب الشاعر أعواماً طويلة من حياته، معتبراً إنجازه وكما أشرنا، نوعاً من الجواب عن ذلك السؤال.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من النهاية إلى البداية الجديدةتنطلق القصيدة الجديدة إذاً، من النقطة التي تنتهي عندها" الأوديسة" القديمة، فبعد أن يعود أوليس (أوديسيوس في الواقع) إلى إيثاكا ويستعيد عرشه بأسرته، لا يجد ما كان يتوخاه من الاستقرار والطمأنينة، ليشبع روحه القلقة.
صحيح أن الغاية التي سعى إليها طوال أعوام الترحال قد تحققت، لكن تحقق الهدف لم يمنحه السكينة، بل إنه أيقظ لديه شعوراً جديداً بالفراغ.
ومن هنا يبدأ الشاعر المعاصر مغامرته الفكرية والشعرية انطلاقاً من سؤاله المباشر: ماذا يحدث للبطل عندما يكتشف أن الوصول ليس نهاية الرحلة؟ بكل بساطة، لدى كازانتزاكيس يغادر يوليسيوس وطنه من جديد، لا مدفوعاً بالحاجة إلى النجاة واستعادة ما فقد هذه المرة، بل بالرغبة في تجاوز الحدود المعروفة للإنسان.
وهكذا يتجول متنقلاً بين بلدان وشعوب مختلفة ويخوض تجارب سياسية وروحية وفلسفية لا تعد ولا تحصى، فهو خلال ذلك التجوال يتحول من بطل أسطوري إلى رمز إنساني، يتحول إلى باحث أبدي عن معنى أعمق للحياة، ففي نظر كازانتزاكيس ابن القرن الـ20 والتراكم الفكري الإنساني الذي عرفته البشرية منذ إنشاء هوميروس ملحمته، في نظر كازانتزاكيس، الحركة المستمرة لا الوصول في حد ذاته هي جوهر الوجود والمعنى الأعمق للحياة، وفي طريقه يكشف لنا بطل الملحمة الجديدة القديمة كيف تأثر مبدعها بتيارات فكرية عدة، وهو الذي سبق أن أشرنا في زاوية سابقة هنا بالتحديد إلى عمق تأثره بالفكر النيتشوي وبفكرة تجاوز الذات، كذلك فإنه تأثر بالبوذية والنزعات الصوفية التي تدعو إلى التحرر من التعلق بماديات الوجود.
في اختصار، في هذه القصيدة لا يبدو لنا يوليسيوس بطلاً ملحمياً أو ملكاً يحاول استعادة عرشه، أو محباً يسعى إلى استعادة امرأته، بل أشبه بحكيم ومتصوف متجول يسعى إلى التحرر من كل قيد: من كل سلطة ومن الأسرة والوطن، بل حتى من الأفكار التي اعتاد أن يؤمن بها في حياته السابقة.
واللافت هنا أننا نواكبه لنرصد كيف أنه في كل مرة يبلغ فيها حقيقة ما، سرعان ما يتجاوزها بحثاً عن حقيقة أخرى.
من الناحية الفنية لم تكن غاية كازانتزاكيس أن يعيد كتابة ما كتبه هوميروس، بل كانت غايته، وبحسب دارسيه، أن يقيم حواراً بينه وبين الشاعر العتيق، فلئن كانت" الأوديسة" القديمة ملحمة العودة إلى الديار، ها هي" الأوديسة" الجديدة تصبح ملحمة الخروج المتواصل من تلك الديار.
وفي حين كان البطل الهوميري القديم يسعى إلى استعادة انتظام حياته واستقرار عيشه، ها هو بطل كازانتزاكيس يرى أن الحياة الحقيقية لا توجد إلا في المغامرة الدائمة والتجدد المستمر، ولهذا السبب ينظر كثر من النقاد إلى هذه القصيدة بوصفها تعبيراً حياً عن قلق الإنسان المعاصر الذي إذ فقد اليقينات الكبرى أصبح مطالباً بأن يصيغ معناه بنفسه لنفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك