«بالعلم والمال يبني الناس ملكهم.
لم يبن ملك على جهل وإقلال».
هذا البيت الشعري الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي يلخص ركيزتين أساسيتين لنهضة الأمم وبناء الحضارات، العلم أولاً ثم المال.
ويؤكد أن المجد الدائم لا يقوم على الجهل والفقر، بل يتطلب علماً يُخطط للمستقبل ومالاً يدعمه، وبالفعل هذه هى استراتيجية بناء مصر الحديثة التي ينتهجها الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي تظهر معالمها فيما حدث من طفرة عمرانية تنموية استثمارية زراعية صناعية علمية وصحية لا ينكرها إلا كل حاقد أو جاحد أو إخواني.
بالتأكيد البحث العلمي لم يعد رفاهية أو نشاطاً أكاديمياً معزولاً داخل الجامعات، بل أصبح عصب التنمية الحديثة، والمحرك الحقيقي لتقدم الأمم وبناء مستقبلها.
فمن يملك المعرفة يملك العالم وأصبح الاستثمار في العلماء أقوى من الاستثمار في الذهب.
فالأمم تُبنى في المعامل، وفي عصر الذكاء الاصطناعي تقاس قوة الدول بما تمتلكه من عقول قادرة على الابتكار والإبداع وتحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية وصناعية وتجارية واستثمارية وتكنولوجية.
الدول التي أدركت مبكراً قيمة العلم قفزت إلى الصفوف الأولى عالمياً، بينما ظلت الدول التي أهملت البحث العلمى أسيرة الاستهلاك والتبعية والاستيراد، لذلك يعيش العالم اليوم سباقاً محموماً نحو البحث العلمى والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والفضاء والاتصالات.
الدول الكبرى تنفق مليارات الدولارات سنوياً على مراكز الأبحاث والجامعات، لأنها تدرك أن كل اكتشاف علمى قد يتحول إلى مشروع اقتصادى عملاق أو قوة استراتيجية تغير موازين العالم، لذلك أطلقوا على المعرفة لقب «النفط الجديد».
فالهاتف المحمول الذي نحمله، والدواء الذي نعالج به، والتكنولوجيا التي تدير حياتنا، كلها بدأت بفكرة داخل معمل أو جامعة، والتقدم الحقيقى يبدأ من زيادة الإنفاق على البحث العلمى ودعم الباحثين الشباب وتطوير المعامل ومراكز الأبحاث، وربط الدراسات العلمية باحتياجات المجتمع وتحويل الابتكارات إلى مشروعات إنتاجية، كل هذه الرؤى كانت محور حواراتى مع عدد من العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات، الذين شاركوا في المؤتمر الدولى لمعامل التأثير العربى، الذي استضافته جامعة الأزهر منذ أيام، برعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وحضره نخبة من العلماء والمتخصصين من كل الدول العربية، وترأس المؤتمر العالم المصرى د.
محمود عبدالعاطى، الفائز بجائزة الصين لأفضل عالم رياضيات في العالم.
المؤتمر أقيم تحت عنوان: «الاقتصاد الإسلامي والتحول الرقمي»، وكانت جلساته ثرية بالأفكار والمعلومات، حيث أثنى الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، على الدور الذي يقوم به معامل التأثير العربى في خدمة البحث العلمى المنشور باللغة العربية، من خلال التقييم الأمين والتصنيف الدقيق للمجلات العلمية المحكمة الصادرة باللغة العربية، استناداً إلى معايير مهمة، من بينها جودة البحث العلمى، والالتزام بأخلاقيات البحث والنشر، وكثرة الاستشهادات العلمية بالأبحاث المنشورة فيها.
خلال المؤتمر دعا رئيس جامعة الأزهر إلى تشجيع النشر العلمى باللغة العربية، تعزيزاً للهوية العربية، مؤكداً أن الأمم تبدع بلغاتها لأن اللغة ليست مجرد أصوات وكلمات، وإنما هى بريد العقول ورسول الأفكار.
الدكتور محمود عبدالعاطى، رئيس معامل التأثير العربى، قال إن المؤتمر يعكس تحالفاً طبيعياً بين رؤيتين تتبنيان الرسالة نفسها، فالأزهر منارة لحماية الهوية الفكرية والعلمية للأمة، في حين جاء معامل التأثير العربى لتثبيت مكانة البحث العلمى العربى ضمن التصنيفات الدولية، ومواجهة التهميش الذي يعانيه البحث المنشور باللغة العربية.
وأكد أن الباحث العربى عانى طويلاً من غياب أعماله المنشورة باللغة العربية عن المشهد العلمى العالمى، بسبب احتكار الشركات الكبرى للتصنيفات، وأضاف أن المشروع حقق تقدماً ملحوظاً في تعزيز مكانة المطبوعات العربية، وجعلها مؤهلة للاعتراف بها من قبل شركات قواعد البيانات العالمية، كما أتاح للمجلات العربية كسر حاجز التهميش، وفرض احترام الإنتاج البحثى العربى على المؤسسات الدولية المعنية بالتصنيف العلمي.
وفي ختام المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام أعلن الدكتور ياسر حلمى، مدير مركز التميز العلمى بجامعة الأزهر، توصيات المؤتمر التي تدعو إلى التفاؤل، حيث طالب بتعزيز جودة البحث العلمى العربى بدعم النشر باللغة العربية، وتطوير آليات قياس التأثير العلمى وربط البحوث بالتنمية المستدامة، وطالبت التوصيات بالعمل على إعادة بناء السيادة المعرفية العربية وإبراز التراث العلمى والثقافي العربى من خلال التوثيق والترجمة.
والتركيز على جعل اللغة العربية لغة فاعلة في نشر العلوم والمعارف الحديثة، وليس فقط العلوم الإنسانية.
كذلك تكثيف الجهود لتصنيف المجلات العربية وفق معايير عالمية دقيقة، لرفع أثرها العلمى والتوصية بتحويل المجلات العلمية الورقية إلى إلكترونية لسهولة الوصول إليها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك