ينتمي الفنان المصري عصمت داوستاشي (1943 – 2025) إلى جيل الستينيات، لكنه ظلّ خارج التصنيفات المريحة التي استوعبت كثيراً من معاصريه.
لم يكن معنيّاً بإنتاج أسلوب يمكن التعرف إليه بسهولة، بقدر ما كان مشغولاً بتفكيك فكرة الأسلوب نفسها.
من هنا، بدت أعماله أقرب إلى تجارب متجاورة، لا يحكمها سوى حسّ تجريبي دائم، واستعداد للمخاطرة، وولع واضح بالموادّ المُهملة والوسائط غير التقليدية.
وإحياءً لذكرى رحيل داوستاشي التي تمر هذه الأيام يستضيف مركز محمود سعيد للمتاحف في مدينة الإسكندرية معرضاً تذكارياً لأعماله تحت عنوان" رحلة المستنير دادا".
المعرض الذي افتُتح أمس، ويستمر حتى الثاني عشر من يونيو/ حزيران المقبل، يضم نحو 90 عملاً فنياً، تغطي مساراً زمنياً ممتداً من البدايات الأولى للفنان وحتى سنواته الأخيرة.
في هذا السياق، يبرز" المستنير دادا" بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم عالمه، وهو كيان تخييلي موازٍ، حمل كثيراً من إسقاطات الفنان وتساؤلاته.
يعود تشكّل هذا الكيان إلى أواخر السبعينيات، متقاطعاً مع تأملات مبكرة لدى الفنان في نزعات الزهد والعزلة، المرتبطة بجذوره العائلية ذات الامتدادات الكريتية، فقد استوقفته، في شبابه، فكرة الانسحاب الصوفي من العالم، وما إذا كان ممكناً العودة منه مجدداً إلى الناس دون فقدان صفاء التجربة.
من هذا التوتر بين العزلة والعودة، ولد المستنير دادا في سبعينيات القرن الماضي، شخصية متخيلة تتحرك بين الأزمنة، كأنها خارج التاريخ وداخله في آن.
يقدّم داوستاشي هذا المستنير رمزاً لحالة سيولة دائمة، أقرب إلى تمثّل داخلي للفعل الإبداعي نفسه.
هو، وفق تصوره، ذلك الكائن الذي يتحرر تدريجياً من ثقل الواقع، ويتخفف من الزمن المحدود، ليحيا داخل أفق أكثر اتساعاً، حيث تتجاور الأزمنة وتذوب الحدود.
ومن هنا، بدت كلمة" دادا" كأنها تشير بشكل غير مباشر، إلى روح الدادائية، كحسٍّ احتجاجي رافض لعبث العالم، وساعٍ إلى تفكيكه عبر اللعب، والمفارقة، وإعادة تركيب المعنى.
تأثّر بعبثية الدادائية وسعى لتفكيك العالم عبر اللعبظل هذا الكيان، لسنوات، وعاءً لكثير من أعمال داوستاشي، قبل أن يدخل في دورة من الظهور والاختفاء، أقرب إلى دراما داخلية للفنان نفسه.
فقد أعلن رحيله في الثمانينيات، ليعود مجدداً في التسعينيات عبر معرض حمل عنوان" عودة المستنير دادا"، في إشارة إلى أن المسألة لم تكن تتعلق بشخصية رمزية بقدر ما هي تعبير عن حالة ذهنية وروحية متقلبة، تتأرجح بين الانفتاح والانكفاء.
وفي لحظة لاحقة، بدا المستنير كأنه يغادر نهائياً، تاركاً وراءه أثراً من الانطفاء.
يتجلى ذلك بوضوح في تجربة كتابه" إبداعات في لون أسود" (2005)، حيث يذهب داوستاشي إلى أقصى حدود التعبير السلبي.
في هذا الكتاب ذي الطبعات المحدودة، احتوى على صفحات كاملة مغمورة بالسواد، وخالية من الصورة والنص، كأنها بيان صامت ضد عالم يزداد اختلالاً.
كان هذا الاختيار انعكاساً لشعور عميق بالاختناق إزاء تحولات كبرى، سياسية وثقافية، رأى أنها تدفع العالم نحو مزيد من العبث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك