بدأ اهتمام نبيل لحلو (1945 ـ 2026) بالمسرح منذ بلوغه عشرة أعوام.
تابع دراسته في ثانوية مولاي دريس.
في سن الـ18، انتقل إلى باريس لدراسة المسرح، لكنه رسِب في امتحان الأكاديمية.
كما فشل في اجتياز امتحان المعهد الموسيقي، قبل طرده من جامعة مسرح الأمم ومدرسة شارل دولاه، التابعة للمسرح الوطني الباريسي.
كأنه تأثّر باكراً بالتمرّد والعصامية.
بعد ذلك، تردّد بانتظام على المسارح الباريسية، وأمضى أشهراً ببروكسل واستوكهولم، حيث قام بأول محاولة إخراج مسرحي.
خَبر أحداث مايو/أيار 1968 في قلب مدينة الجن والملائكة.
هناك أيضاً كتب وأدّى مسرحيته الأولى، Les Milliardaires، التي شكّلت انطلاقة مسيرة مسرحيّة حافلة، امتدت عشر سنوات.
بعدها، كتب مسرحيات عدّة، منها" أوفيلي لم تمت" و" السلاحف".
عام 1975، خاض أول تجربة سينمائية مع التلفزة المغربية: " الممكن من المستحيل" (60 د.
)، المقتبس عن قصة قصيرة لعبد الجبار السحيمي، لكن الفيلم حُظِر، ولم يعرض للجمهور إلا بعد ثلاث سنوات.
بحسّه المنطلق والمفعم بالطاقة، أنجز لحلو خمسة أفلام طويلة بين عامي 1978 و1988.
هذا مُعدّل مُذهل في فترة، كان عدد الأفلام المغربية المُنجزة سنوياً لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
إجمالاً، أنجز لحلو تسعة أفلام طويلة، في مسيرة سينمائية تجاوزت 35 عاماً، لكن فترته الأولى، وثلاثية" القنفوذي" (1978)، و" الحاكم العام لجزيرة الشّاكرباكربن" (1980)، و" إبراهيم ياش" (1982)، تظلّ الأكثر تعبيراً عن مشروع جمالي، يقبض على ثيمة انسحاق الفرد داخل نسق مجتمعي مطبوع بالغريزة الجماعية والمُحافظة.
فيها، قدّم شخصيات أبطال مُتضادين، يعيشون بشكل متنافر مع محيطهم، قبل أن يحدث انقلاب درامي يحملهم إلى قدر محموم وحارق: فوز القنفوذي، قائد الأوركسترا البسيط، بجائزة اليانصيب الكبرى (الفيلم الأول، وسط فضاء حالم)؛ ورود خبر اختفاء حاكم جزيرة نائية علي الغربي، موظف تصنيف البرقيات بصحيفة يومية (الثاني، فضاء يوتوبي بديل)؛ قرار الموظف الحكومي إبراهيم بومالفي تسوية ملف معاشه، بعد عامين على تقاعده (الثالث، فضاء متاهي خانق).
أحداثٌ لا تقطع خيط اليومي والمعتاد في حياة الشخصية الرئيسية، سوى لتؤجّج غربتها بمسار من جنون خلّاق، يمحو الحدود بين الواقع والخيال (هل فاز القنفوذي بالجائزة حقاً؟ أليست الجزيرة نسج خيال الغربي؟ كيف يستمرّ إبراهيم بومالفي بالبحث عن ملف معاشه، حتى بعد انتقاله إلى العالم الآخر؟ )، مُفجّرة تناقضات: تفاوت طبقي، ونفاق اجتماعي، وفساد وابتذال الممارسة السياسية، ومتاهات بيروقراطية كافكاوية وتقاطعاتها مع اعتباطية الحقل الفني، وعراقيل يواجهها المبدعون وفق نزعة المخرج إلى هدم الجدار الرابع، واستدعاء جماليات ميتاسينمائية.
مسيرة أصلية وفريدة، بقدر تنوّع وأصالة الصُّور التي خلقتها، ورسوخها في الذاكرة الجماعية المغربية.
لا يمكن إنجاز تجميع لأبرز مشاهد السينما المغربية من دون لحظة ركض القنفوذي وسط شارع محمد الخامس، المُكتظ بمارة يردّدون" القنفوذي أعطينا مليون على ربي"؛ أو مشهد وقوف الحاكم بزي باليه نسائي أبيض، ليخطب في سكان الجزيرة، ويبعثهم من مرقدهم ببراميل خشبية، تبدو استشرافاً للمقصورات البيوكهربائية في" ذا ماتريكس" (أول السلسلة مُنتج عام 1999) للأختين وتشوفسكي، خاصة أن لحلو يتمثل عملاء سلطة بنظّارات سوداء، يعذّبون الغربي ليثنوه عن التفكير في الجزيرة كفضاء طوباوي، يرمز إلى الديمقراطية والحرية، كما يجهد العميل سميث ونظراؤه في تحييد نيو، وسعيه إلى بعث الشعب المستعْبَد من الآلات.
كيف تُنسى نهاية" إبراهيم ياش" الهاملتية، والجنازة الرمزية المنظّمة لدفن الموظف المتقاعد حياً، إذْ يُلفّ في كفن أبيض كمومياء، بينما يستمرّ في ترديد لازمته" أريد أجرتي.
أريد ملفي" من وراء ستار شفاف، شكله جسد امرأة، يتوسّطه عضو أنثوي، في إحالة على العَود الأبدي، وفكرة سرمدية القهر الذي يقاسيه البؤساء.
" سنوات المنفى" (2002)، المقتبس عن رواية إدريس الشرايبي Une enquête au pays (يُحكى أن الكاتب الراحل لم يُحَطْ علماً بمشروع الاقتباس)، عملٌ مفصلي في مسار لحلو، إذ يتميّز نصفه الأول بنوع من التحكّم والانسجام في الاختيارات الجمالية، رغم نَفَسها التجريبي، بينما يتّسم نصفه الثاني بتذبذب وأسلوب مُغرق في التشظي، انعكس بالتفكّك على الأعمال، فأضحى صعباً التماهي مع شخصياتها وإيقاعها.
نبيل لحلو فنان شامل، يكتب أفلامه ويخرجها وينتجها، ويؤدّي أدوارها الرئيسية، ما عدا" كوماني" (1989).
ربما لا ينقصه، ليحاكي التجربة الشابلينية، سوى تأليف موسيقاها بنفسه.
اعتمد في تمويل أفلامه على وصفة تخلط بين أموال صندوق دعم الإنتاج السينمائي ورعاية شركات كبرى ومساهمات أصدقاء مُحبّين للفنّ.
كما روّج أفلامه بنفسه، لتعويض غياب، أو قصور التوزيع.
تلك الحلقة الأساسية، لا تزال السينما المغربية تكتوي باختلالاتها إلى الآن.
نادى مراراً بضرورة دعم الموزّعين، ليتشجعوا على مغامرة ترويج أفلام مغربية متطلّبة، ويعتاد المغاربة حضورها المنتظم نسبياً في القاعات إلى جانب الأفلام التجارية، وتخلق جمهورها تدريجياً.
بالنسبة إليه، لا يمكن استبعاد أي وسيلة طالما أن الأمر يتعلق بصنع فيلم، والذهاب إلى أقصى حدّ في تنفيذ الفكرة، شرط الاستمتاع بها.
مزيج من كبرياء اعتبار نفسه أهم مخرج سينمائي في المغرب، وتواضع الحديث عن أفلامه بصفتها تجارب.
في قلب هذا الحيز، الممتد بين نقيضين، هناك نزعة طفولية بريئة وماردة، ترنو إلى استفزاز الكامن، ورمي أحجار في البرك الآسنة، ونبذ لغة الخشب، ونقض ثقافة الإجماع الخادع، ومَقت المواقف الباهتة.
انقسمت الآراء حول أفلامه، فهناك من اعتبرها فلتات عبقرية، تنظر إلى الواقع المغربي بانزياح يفجّر تناقضات المجتمع بالسخرية والبورليسك، انطلاقاً من حبكات تمزج سوريالية النظرة بعبثية المواقف.
وآخرون يعتقدون أن هشاشتها السردية، وحكيها المفكك، وهنات تشوب إيقاعها حَدت من وقعها على المشاهد، وحكمت على طرحها بأن يظل حبيس سوء فهم وعدم اتساق، لكن الجميع تقريباً يُجمعون على أصالة عوالم مُبدع، ذهب بشجاعة إلى أبعد حدّ في التعبير عن رؤيته، من دون أن يخضع لسلطة الرقابة الذاتية، أو يستسلم لوازع مداعبة المتلقي في اتجاه نمو الشعر.
لعل أثمن ما في منجزه جرأته في تناول ثيمات من صلب الواقع المغربي، من زاوية تُسائل جانبه السياسي، بالمعنى الواسع للمفهوم، وهذا نادر في سينما تطغى عليها المقاربات الاجتماعية.
كما أن الحساسية المسرحية تظلّ تياراً أقلياً في خريطة مرجعيات السينمائيين المغاربة، ولعلّ أبرز ممثليه، إلى جانب لحلو، الطيب الصديقي، رغم إنجازه فيلماً طويلاً واحداً، " الزفت" (1984)، يتقاطع في كثير من عناصره الجمالية مع أفلام مخرج" ثابت أم غير ثابت" (2005).
ولعلّ فوزي بن السعيدي وهشام العسري هما المغربيان الوحيدان المنحدران من مرجعية هذه الشجرة النادرة، كما أعرب العسري عن ذلك في مناسبات عدّة، آخرها حواره مع" العربي الجديد" (24 إبريل/نيسان 2026)، الذي كرّم فيه لحلو بشكل غير مباشر، رغم أن الأخير لا يحمل سينماه في قلبه.
كجان ـ بيار موكي (مخرج وسيناريست وممثل ومنتج فرنسي)، كان لحلو شخصية مثيرة للجدل، بتصريحاته وتدخلاته في اللقاءات المهنية والندوات.
ولا يزال رواد المهرجان الوطني بطنجة يتندّرون بحضوره في ندوات الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية، وكيف كان ينتدب بقامته القصيرة (1.
65 متراً) مكاناً وسط الصف الأمامي، ملقياً كل مرة نظرات متفحّصة بحاجبين معقودين، كلما تدخل أحد الحاضرين، قبل أن يقف في لحظة معينة لقول كلمة نارية بأسلوب مسرحي، تضجّ لها القاعة بالضحك أحياناً، وبالاحتجاج أحياناً أخرى، مُذكّراً في كل مرة بأنه لا يحضر من المهرجانات الكثيرة المنظّمة بالمغرب إلّا المهرجان الوطني، لأنه يعتبره عيد السينما المغربية، ومناسبة سنوية للاحتفاء بها، ونقاش قضاياها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك