في الثاني والعشرين من سبتمبر أيلول 2023 رفع نتنياهو خارطة" سُميت بالشرق الأوسط الجديد" في الأمم المتحدة وأظهرت الخريطة إسرائيل ممتدة على كامل فلسطين التاريخية بما فيها الضفة وغزة، كانت تلك محاولة لاسترضاء شركائه في اليمين الإسرائيلي المتطرف للبقاء خلف ظهره، بعد التظاهرات التي اجتاحت المدن في إسرائيل وتجاوزت نصف مليون متظاهر في تل ابيب لوحدها بدءًا من يناير 2023، بسبب خطة الإصلاح القضائي التي طرحتها حكومة نتنياهو، وهي التظاهرات التي كشفت وصول الانقسام الإسرائيلي حتى داخل المؤسسة العسكرية ناهيك عن مشاركة حزبية ونقابية واسعة فيها.
في الجانب الإسرائيلي وعلى مدار عقدين من الزمن كان تشرذم الخارطة السياسية في إسرائيل واسعاً بين ولادات حزبية وأخرى اختفت أو اندمجت وبقيت في حالة موت انتخابي، بدءًا من حزب كاديما الذي أسسه شارون، ثم شينوي، و هتنوعاه، وغيشر، وحزب بينيت القديم، وازرق أبيض، وميرتس إضافة الى حزب العمل الذي كان منافس الليكود الأساسي ثم اختفى من الوجود.
هناك تولد خطة نتنياهو لإعادة انتاج إسرائيل على مقاس اليمين المتطرف، وللخطة تفاصيل كثيرة اختصار ذلك كانت عبر إخضاع منظومة القضاء للكنيست، ما يعني أن الحكومة تستطيع صناعة القوانين وتمريريها أو إعادة تمرير قوانين مرفوضة سابقاً من المحكمة بمجرد تصويت (نصف الكنيست +1) وهو ما وجدت فيه بقية الأحزاب انقلاباً على ما كان متوافقاً عليه منذ سنة 1948، ويبقى الأساس في ظهور هذه الخطة هو تمرير القوانين التي تتيح للائتلاف اليميني الحاكم هيمنة مطلقة على السلطة، بمعنى إعادة إنتاج إسرائيل على قاعدة يمينية متطرفة، خصوصاً بعد تعاظم قوة اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة، وتمكن نتنياهو من اجتياز عتبة تشكيل الحكومة، وهذا النمو لليمين المتطرف كانت قد أسهمت فيه حماس بشكل كبير بعد أربعة حروب بدأتها حماس في غزة سنة 2008 وكان خامسها مواجهات 2021 وما بينهما حقبة مسيرات العودة في 2018/ 2019، والتي تسببت بخسائر اقتصادية كبيرة في مستوطنات غلاف غزة، وخسائر بشرية فادحة في غزة.
بالتالي كان نمو اليمين المتطرف يتطلب بالأساس العودة بإسرائيل الى" شريعة بن غوريون في الحرب" وذلك لأن" أوسلو" كسرت مفهوم الأحادية في الداخل الإسرائيلي واسقطت رؤية بن غوريون من المعادلة السياسية، حتى جاء ظهور حماس وتحالفاتها بين حزب الله وإيران والأيديولوجيا المعلنة منذ أن حكمت غزة، ليشكل ذلك نقطة ارتكاز أساسية منحت الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة قدرة واسعة على تجميع نفسها على حساب حالة التشرذم الحزبي في الداخل الإسرائيلي، وبذلك يصبح ناقوس الخطر محركاً في المسار الحزبي الإسرائيلي تدعمه حالة الخطاب الشعبوي لحركة حماس وصواريخها التي كانت تأتي تباعاً وفق معادلات سياسية خاصة بها وليست في مصلحة المشهد الفلسطيني.
بعد أسبوعين فقط من خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة 22/9/2023 والذي رفع فيه خارطة إسرائيل ممتدة على كامل فلسطين التاريخية، كانت حماس تطلق رحلة السابع من أكتوبر والتي انطلقت ولم تنته حتى اللحظة، فقد اجتاحت إسرائيل غزة ومسحت معظم بنيتها عن الوجود، وجاء اتفاق الهدنة غير المكتمل، ثم الوصول الى الخط الأصفر، ثم ما تم استحداثه منذ أيام ب" الخط البرتقالي" ما يعني أن مليوني إنسان يعيشون في خيام بين ملايين الأطنان من الركام على مساحة ضيقة جداً، وصولاً إلى ما أعلنه الاحتلال والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالقول: (إن الوقت قد حان لتقليص حجم المساعدات الإنسانية الداخلة إلى قطاع غزة بشكل كبير) بمعنى أن إسرائيل تخطط للعودة إلى استراتيجية التجويع، ويأتي ذلك مع إعلان إسرائيلي بأن حماس تعيد بناء قوتها في غزة والضفة، وصدور بيان رسمي لحماس تنفي فيه نيتها لإطلاق أي عمل عسكري صوب إسرائيل من غزة، وبيان آخر موازي تدعو فيه حماس إلى التصعيد بالضفة الغربية والقدس، وهو ما يترك سؤالاً مهما، فما هي الفائدة المرجوة من التصعيد في الضفة إذا كانت النتائج ستكون كارثية على الفلسطينيين كما حدث في مخيمات جنين وطول كرم ونور شمس، وتشريد أهلها وما تجري بداخلها منذ أكثر من سنة من عمليات هدم وتجريف لكامل البني التحتية، بالتالي ما قيمة العمل العسكري الذي قامت به حماس في غزة أو الضفة ما دام كل عمل عسكري يزيد من مساحة الاحتلال ويزيد من حجم الكارثة الإنسانية على الفلسطينيين والذي يأتي لمصلحة الحكومة المتطرفة التي بالأساس ترفع شعار التهجير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك