استعدت الصين لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمراسم خاصة، تليق برجل لا يمل الحديث عن إنجازاته وتفرده على الساحة الدولية.
لكن ترامب الباحث عن الأرقام واللقطات المميزة لتصديرها منشوراته الإعلامية وبيانات البيت الأبيض ربما لن يجد مهمته سهلة في بكين، التي يعود إليها بعد نحو عقد من الغياب.
فقد كانت زيارته الأولى لبكين في عام 2017 ذات طبيعة احتفالية وصفقات تجارية واسعة، بينما تأتي الزيارة الثانية، بعدما جرت في نهر العلاقات الدولية مياه كثيرة، وسّعت فيها الصين اقتصادها وتجارتها ونفوذها السياسي في العالم كله، واختبرت إلى حد كبير العلاقة مع ترامب نفسه في عامه الأول من ولايته الثانية، والذي كان عام تهديد بالتعرفات الجمركية الباهظة ثم تراجع عنها أفضى إلى هدنة تجارية بين العملاقين.
من المؤكد أن الصين تدرك أن تحدي العملاق الاقتصادي الأميركي ليس مهمة عاجلة بعد، لكن ذلك لا يمنع أن تنظر إلى الأمام من أجل ذلك.
وبالرغم من القيود التجارية والتعرفات التي فرضها ترامب على السلع الصينية في ولايتيه الأولى والثانية، نجحت بكين في تعظيم مكاسبها من الاقتصاد الأميركي الأقوى عالمياً، من خلال الرد على التعرفات بشكل مماثل أحياناً وبنقل مراكز الإنتاج إلى دول أخرى، لا تتعرض لتعرفات أميركية باهظة في معظم الأحيان.
هكذا حافظت بكين على فائض في ميزانها التجاري مع السوق الأميركية الأكثر إنفاقاً من 312 مليار دولار في عام 2017 ليصل إلى ما يزيد عن 350 مليار دولار في عام 2024.
ورغم أن التوقعات تشير إلى تراجع نصيب الصادرات الصينية إلى السوق الأميركية بسبب السياسات الحمائية التي فرضها ترامب العام الماضي، فلم يؤثر ذلك في قدرات الصين التي استعاضت عنه بتوسيع صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي ومجموعة (آسيان) والشرق الأوسط.
المحصلة التي تدركها بكين إذن، هي أن الاقتصاد الأميركي يحتاج إلى سوقها أكثر مما تحتاج هي إلى السوق الأميركية، فأوراق الضغط الاقتصادية التي في جعبتها كثيرة، ولذلك لم يخف ترامب أن مهمته الرئيسية في بكين ستكون مطالبة بكين أن تفتح اقتصادها أمام اللاعبين الأميركيين الكبار.
ولهذا السبب تحديداً يصطحب معه أكثر من اثني عشر من رؤساء الشركات الأميركية العملاقة، من إنفيديا لصناعة الرقائق إلى تسلا وبلاك روك وفيزا وماستركارد وآبل، والقائمة طويلة.
وجود هؤلاء الكبار في الوفد الرئاسي ليس فقط لإبرام صفقات اقتصادية مباشرة مع بكين، فكثير منهم يفعلون، ولكن الهدف الرئاسي هو استغلال القمة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ للحصول على امتيازات سياسية تدفع بكين إلى تسريع المحادثات التنظيمية الجارية بالفعل في الصين لتصبح قاعدة للعمل الدائم لا يتعلق بكل شركة على حدة.
فعلى سبيل المثال، تواجه" ميتا" أمراً من الجهة التنظيمية الصينية الشهر الماضي بإلغاء استحواذها الذي يتجاوز مليارَي دولار على شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة" مانوس"، في وقت تشدد فيه بكين الرقابة على الاستثمارات الأميركية في الشركات العاملة في التقنيات المتقدمة.
كما تدرس الصين فرض قيود على تصدير معدات تصنيع الطاقة الشمسية إلى الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤثر على خطط شركات مثل" تسلا" لبناء مصانع جديدة أو توسيع المصانع القائمة لزيادة الإنتاج المحلي، كما تسعى أيضاً للحصول على موافقة تنظيمية صينية لتوسيع استخدام نظام القيادة الذاتية الكامل في أكبر سوق سيارات في العالم.
كما يصل الرئيس التنفيذي لـ" بلاك روك" لاري فينك إلى بكين بينما تواجه مجموعة يقودها صندوق الاستثمار الأميركي تدقيقاً بشأن صفقة استحواذ بقيمة 23 مليار دولار تشمل موانئ، بينها موانئ قرب قناة بنما، من مجموعة" سي كي هاتشيسون" في هونغ كونغ.
وقد انتقدت بكين هذه الصفقة في ظل مساعي واشنطن لتقليص النفوذ الصيني على هذا الممر الاستراتيجي.
من الواضح أن ترامب يسعى لتوظيف حضوره السياسي في القمة لتحصيل مكاسب للشركات الأميركية التي ترى في الصين سوقاً رئيسية، أو ربما الأكثر أهمية عالمياً مع تزايد نموها الاقتصادي وتزايد القوة الشرائية لمواطنيها.
فالعملاقان الماليان" ماستركارد" و" فيزا" تأملان في استغلال القمة لتحسين موقعهما داخل سوق المدفوعات الصيني شديد التنظيم.
وقال أحد المصادر لوكالة رويترز إن" ماستركارد" تأمل أن تضغط الحكومة الأميركية لزيادة حصتها في مشروعها المشترك داخل الصين.
وكانت" ماستركارد" قد حصلت في عام 2023 على أول ترخيص لشبكة أجنبية لتسوية معاملات البطاقات المحلية باليوان داخل الصين، عبر مشروع مشترك مع شريك محلي هو" نتس يونيون".
وقال مصدر آخر إن" فيزا"، التي لم تحصل بعد على ترخيص مماثل لمنافسَيها، تأمل في دخول هذا السوق عبر حصة ملكية كاملة بنسبة 100% في مشروع مستقبلي مشترك.
وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي بعد مغادرته واشنطن: " سأطلب من الرئيس شي، وهو قائد يتمتع بمكانة استثنائية، أن" يفتح" الصين حتى يتمكن هؤلاء العباقرة من إطلاق قدراتهم السحرية، والمساعدة على رفع جمهورية الصين الشعبية إلى مستوى أعلى! ".
ربما لا ينسى المسؤولون في القيادة الصينية كيف عمد ترامب إلى بدء حرب تجارية معهم بعد وقت قصير من تنصيبه العام الماضي، ورغم توصل الجانبين إلى هدنة تجارية لمدة عام في لقاء ترامب وشي جين بينغ في سيول خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فقد استمرت الاتهامات التجارية بين الجانبين.
الولايات المتحدة تتهم بكين بالتوسع التجاري على حساب الغير ما جعلها تراكم فائضاً تجارياً بنحو 1.
2 تريليون دولار، وبكين تتهم واشنطن بالسعي إلى احتواء الصعود الصيني وعرقلته.
لذلك من المتوقع أن تكون زيارة ترامب مناسبة لتذكير الولايات المتحدة بما لديها من منافع في الصين.
ويرى معظم المحللين أن تمديد هدنة الرسوم الجمركية أمر مرجح، مستندين إلى هيمنة بكين على إنتاج المعادن الأرضية النادرة، الضرورية للصناعة الأميركية بما فيها شركات الدفاع، والتي استخدمتها الصين بنجاح ورقةَ ضغطٍ في مفاوضات التجارة العام الماضي.
وكانت الصين قد أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أنها تخطط لفرض قيود واسعة جديدة على صادرات المعادن الأرضية النادرة والمنتجات التي تحتوي حتى على كميات ضئيلة منها.
وبعد ثلاثة أسابيع، وافق الزعيم الصيني شي جين بينغ خلال اجتماع مع ترامب على تأجيل تلك الإجراءات لمدة عام، رغم أن القيود التي فُرضت في إبريل/نيسان بقيت سارية.
وحتى من دون القيود الإضافية المؤجلة، خفّضت الصين بشكل كبير صادرات معادن مثل الساماريوم والإيتريوم والديسبروسيوم، وهي مواد تشهد بالفعل نقصاً حاداً خارج الصين.
ويُستخدم الساماريوم في الطائرات التجارية والطائرات المقاتلة والصواريخ، ويباع بسعر نحو دولارين للكيلوغرام داخل الصين، مقابل 50 إلى 500 دولار للكيلوغرام في الخارج بحسب درجة المعالجة.
وقد توقفت الصين تقريباً عن تصديره بالكامل.
من المؤكد، أن قضية هذه المعادن وإمكانية تخفيف السيطرة الصينية عليها من القضايا الرئيسية على جدول القمة، نظراً إلى ما تسببه من قلق في أوساط الصناعات الأميركية.
فالشركات المصنعة للطائرات التجارية والإلكترونيات والسيارات ومعدات تصنيع أشباه الموصلات والمعدات العسكرية تعاني نقصاً حاداً فيها ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بما يصل إلى مئة ضعف منذ أن أوقفت بكين معظم صادراتها في أوائل إبريل من العام الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك