نقيس كثيرا.
لكن هل نحسن القرار؟في السنوات الأخيرة، شهدت منظومات الصحة البيئية تطورا ملحوظا في أدواتها التقنية، حيث توسعت شبكات الرصد البيئي، وتقدمت أنظمة جمع البيانات وتحليلها، وأصبحت المؤسسات قادرة على قياس مجموعة واسعة من المؤشرات بدقة عالية، تشمل جودة الهواء، وسلامة المياه، وسلوكيات المنشآت الغذائية، وحتى أنماط الشكاوى البيئية.
وبناء على ذلك، أصبحت البيانات متوفرة بشكل غير مسبوق، وأصبحت لوحات الأداء تعكس صورة غنية بالتفاصيل حول ما يحدث في البيئة.
وإذا استحضرنا ما تم طرحه في المقال السابق حول فجوة التطبيق (Execution Gap)، حيث تتوفر الأنظمة دون أن تتحقق النتائج، فإن هذا التقدم في القياس يفرض سؤالا أكثر عمقا: هل المشكلة كانت في غياب البيانات، أم في كيفية استخدامها؟ومع ذلك، ورغم هذا التقدم التقني الواضح، يظل هناك تساؤل جوهري لا يمكن تجاهله: هل انعكست هذه القدرات على تحسن فعلي في صحة المجتمع؟هذا السؤال ليس بسيطا، لأنه لا يتعلق فقط بما نمتلكه من أدوات، بل بكيفية توظيفها.
فامتلاك البيانات لا يعني بالضرورة استخدامها بشكل صحيح، كما أن عرض المؤشرات لا يعني بالضرورة اتخاذ قرارات بناء عليها.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في" القدرة على القياس"، بل في" القدرة على تحويل القياس إلى قرار"، ثم إلى أثر ملموس يمكن رصده في الواقع الصحي.
التحدي لا يكمن في" وجود البيانات"، بل في" تفعيلها"، أي تحويلها إلى قرارات واضحة ومباشرة تؤثر في الواقعمن توفر البيانات إلى غياب القرارإذا تأملنا واقع العمل في كثير من المؤسسات، فسنجد أن البيانات متوفرة بدرجة كبيرة، بل إن بعض الجهات تمتلك تفاصيل دقيقة عن مستويات الملوثات، أو عن تكرار الحوادث الصحية، أو عن أداء المنشآت الخاضعة للرقابة.
ومع ذلك، فإن هذه البيانات -رغم أهميتها- لا تقود دائما إلى قرارات تغير الواقع.
وهنا يظهر بوضوح أن ما تم وصفه سابقا بفجوة التطبيق يرتبط ارتباطا مباشرا بما يمكن تسميته الآن فجوة القرار (Decision Gap)، حيث تتوقف المنظومة عند حدود المعرفة دون أن تنتقل إلى الفعل.
فعلى سبيل المثال، قد تظهر بيانات جودة الهواء ارتفاعا في ملوثات معينة خلال أوقات محددة، لكن لا يتم ربط هذه النتائج دائما بإجراءات عملية، مثل تعديل أنماط الحركة المرورية أو تنظيم مصادر الانبعاث.
وهذا يعني أن البيانات تستخدم لوصف المشكلة، لكنها لا تستخدم لمعالجتها.
وبالمثل، يتم تسجيل حالات التسمم الغذائي، لكن في كثير من الأحيان لا يتم تحليلها بشكل منهجي للكشف عن الأنماط المتكررة أو العوامل المشتركة.
وبالتالي، تبقى الاستجابة جزئية، ولا تؤدي إلى منع تكرار المشكلة.
ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن في" وجود البيانات"، بل في" تفعيلها"، أي تحويلها إلى قرارات واضحة ومباشرة تؤثر في الواقع.
عندما تتحول البيانات إلى غايةوإذا انتقلنا إلى مستوى أعمق من التحليل، نجد أن بعض المؤسسات تواجه مشكلة أكثر تعقيدا، تتمثل في أن البيانات تتحول تدريجيا من وسيلة إلى غاية بحد ذاتها.
أي أن الجهد المؤسسي يتركز على جمع البيانات وتحسين عرضها، بدلا من التركيز على استخدامها.
وهذا التحول يعمق فجوة التطبيق التي تم تناولها سابقا، لأنه يخلق انطباعا بوجود أداء متقدم، بينما يظل الأثر الحقيقي محدودا.
تبنى لوحات مؤشرات متقدمة.
تناقش التقارير في الاجتماعات.
لكن لا يتم ربط هذه البيانات بشكل مباشر بقرارات تشغيلية أو تنظيمية.
وبالتالي، تصبح البيانات أداة عرض أكثر من كونها أداة قيادة.
وهذا ما يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ" النجاح الشكلي"، حيث تبدو المنظومة متقدمة في تقاريرها، لكنها لا تحقق التحسن المطلوب في النتائج الصحية.
لا يمكن تقييم تأثير تلوث الهواء بشكل دقيق دون ربط بيانات الرصد البيئي بمعدلات الأمراض التنفسية أو دخول المستشفياتغياب التكامل.
حين تفقد الصورة الكاملةومن جهة أخرى، لا يمكن فهم فجوة القرار دون التطرق إلى قضية التكامل بين البيانات.
ففي كثير من الحالات، تدار البيانات في أنظمة منفصلة (Data Silos)، بحيث تحتفظ كل جهة ببياناتها دون ربطها ببيانات الجهات الأخرى.
وبالتالي، وعلى الرغم من توفر المعلومات، فإن الصورة الكاملة لا تتشكل، لأن كل جهة ترى جزءا فقط من الواقع.
وهذا يفسر لماذا تبقى فجوة التطبيق قائمة، إذ لا يمكن اتخاذ قرار متكامل دون فهم متكامل.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن تقييم تأثير تلوث الهواء بشكل دقيق دون ربط بيانات الرصد البيئي بمعدلات الأمراض التنفسية أو دخول المستشفيات.
كما لا يمكن الحكم على فاعلية الرقابة الغذائية دون تحليل العلاقة بين نتائج التفتيش والحالات الصحية الفعلية.
وعليه، فإن التكامل بين البيانات ليس مجرد تحسين تقني، بل شرط أساسي لاتخاذ قرارات مؤثرة.
المؤشرات.
من قياس النشاط إلى قياس الأثروفي هذا السياق، تظهر إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة المؤشرات المستخدمة.
إذ لا تزال العديد من المؤسسات تعتمد على مؤشرات تقيس النشاط، مثل عدد الجولات التفتيشية أو عدد المخالفات أو حجم العينات.
ورغم أهمية هذه المؤشرات في متابعة الأداء، فإنها لا تعكس بالضرورة تحسنا في الصحة العامة.
فما دام التركيز على قياس النشاط، فإن فجوة التطبيق ستستمر، لأن ما يقاس لا يعكس بالضرورة ما يتحقق.
في المقابل، تحتاج المنظومات إلى مؤشرات تقيس الأثر، مثل:انخفاض الأمراض المرتبطة بالعوامل البيئية.
انخفاض الإصابات المرتبطة بالمياه.
وهذه المؤشرات لا تكتفي بوصف ما يحدث، بل تكشف ما إذا كانت الجهود تحقق هدفها الحقيقي.
إن التحول المطلوب لا يتمثل في جمع المزيد من البيانات، بل في إعادة تصميم دورها داخل المنظومةوعند هذه النقطة، يصبح من الضروري التأكيد على أن القرار يجب ألا ينظر إليه كنتيجة تلقائية للبيانات، بل كوظيفة حوكمة قائمة بذاتها.
فالبيانات قد تكشف المشكلة، لكنها لا تحدد:من سيتحمل مسؤولية النتيجة؟وفي غياب هذا الوضوح، تبقى البيانات غير مستغلة بالشكل المطلوب، ولا تتحول إلى أثر فعلي.
وهنا يبدأ الانتقال الطبيعي نحو السؤال التالي في السلسلة، لأن القرار وحده لا يكفي إذا لم يكن مرتبطا بمساءلة واضحة.
إعادة توجيه المنظومة.
من القياس إلى التأثيروبناء على ما سبق، فإن التحول المطلوب لا يتمثل في جمع المزيد من البيانات، بل في إعادة تصميم دورها داخل المنظومة.
دمج البيانات بدلا من تجزئتها.
تفسير المؤشرات بدلا من عرضها فقط.
ربط البيانات بالقرار بشكل مباشر.
متابعة أثر القرار وليس فقط تنفيذه.
كما يتطلب ذلك تبني نماذج قائمة على المخاطر، بحيث يتم توجيه الجهود نحو المجالات الأكثر تأثيرا، وهو ما يضمن استخدام الموارد بشكل أكثر كفاءة.
في نهاية المطاف، يتضح أن امتلاك البيانات لم يعد التحدي الحقيقي، بل أصبح التحدي هو كيفية استخدامها لإحداث تغيير.
وإذا كان المقال السابق قد أوضح أن الأنظمة لا تحقق أثرا رغم اكتمالها، فإن هذا المقال يوضح أن أحد الأسباب الجوهرية لذلك هو أن البيانات لا تقود القرار بالشكل الكافي.
لكن الصورة لا تكتمل هنا.
لأن السؤال الأكثر حساسية لم يطرح بعد: ماذا يحدث عندما لا تحقق القرارات النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية؟وهذا يقودنا مباشرة إلى المرحلة التالية في السلسلة: المساءلة على النتائج (Outcome Accountability) لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي: " البيانات التي لا تقود إلى قرار.
والقرار الذي لا يخضع للمساءلة لا يغيران الواقع".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك