عمان- ترتيبات قد تحتاج لأيام وأسابيع لحفلات تجتاح تفاصيلها مواقع التواصل الاجتماعي، وتكسر حاجز الخصوصية، وهي تلك الحفلات التي يعلن فيها الزوجان عن جنس المولود القادم.
اضافة اعلانومنذ سنوات، باتت منصات التواصل المساحة المتاحة للجميع لبث أفكارهم وحياتهم وتفاصيلهم، لكن مع مرور الوقت أصبح الإسراف في عرض تفاصيل الحياة اليومية أكثر ما يشغل ناشطي ومؤثري العالم الافتراضي، وسط منافسة" شرسة" لإظهار مدى قوة الاحتفاء، ومن جهة أخرى الحصول على التعليقات والمشاهدات من المتابعين.
حفلات تتجاوز الحدود المقبولةوبحسب منظمي بعض تلك الحفلات، فإن" حفلة تحديد نوع الجنين" (Gender Reveal Party) هي عبارة عن حفل عائلي يضم الزوجين والأسرة والأصدقاء المقربين، ظهرت قبل عدة سنوات فقط، وتهدف إلى كشف جنس الجنين أمام الحضور، من خلال ابتكار عدة طرق تبهر الموجودين، وتتطلب استخدام بعض الأدوات باللونين الأزرق والوردي، وبتكتيك معين يتم الكشف خلال الحفل في الموقع.
لكن مع مرور الوقت، تجاوزت هذه الحفلات الحدود، من ناحية التكلفة المادية، والطرق الغريبة إلى حد ما، ووجود بعض التجاوزات التي لا تتواءم مع المجتمعات، إذ انتشرت بعض المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي وحصدت ملايين المشاهدات، خاصة في بعض الدول الأوروبية.
بيد أن هذه الحفلات باتت اليوم منتشرة بكثرة في المجتمعات العربية وتتفاوت في ضخامتها، فمن المشاهير من يتعمد تصويرها بطريقة إخراجية مميزة بهدف الانتشار، وهناك أشخاص يقومون بتصويرها بشكل مبسط، لكنها بالمقابل قد تجد قبولا بين الناس لبساطتها وعمق المشاعر فيها دون تكلف.
هل هنالك تعد على الخصوصية؟ومن ضمن ملايين التعليقات على" حفلات كشف جنس الجنين"، يقول عادل: " إذا فكرت يوما بالزواج وإنجاب طفل والإعلان عن جنسه، فأنا أرى أن هذا الأمر خاص بيني وبين زوجتي، ولا داعي لإقامة حفلة من أجل ذلك، ما هذه المبالغة؟ وما الذي يهم الناس فيما إذا رزقت بولد أو بنت؟ للأسف باتت طريقة تفكير بعض الناس غريبة".
أما يارا، فتقول إنها تشاهد الكثير من المقاطع التي تعرض حفلات كشف جنس المولود، وتشعر بالكثير من الاستغراب من حجم المبالغة التي تحدث أحيانا من قبل بعض الأزواج في التحضير لذلك، وقد تصل تكلفة الحفل إلى ما يمكن من خلاله إقامة حفل زفاف، على حد تعبيرها.
وتعتقد يارا ايضا أن هناك الكثير من اللحظات الجميلة في حياتنا يكمن جمالها في خصوصيتها بين الزوجين، أو حتى أفراد الأسرة المقربين جدا، كالأجداد والأعمام والأخوال على أبعد تقدير، ويمكن تصويرها والاحتفاظ بالفيديو كذكرى عائلية يشاهدها الطفل بعد سنوات، لتمثل له لحظة جميلة وحميمية بينه وبين عائلته.
وتعلن بعض شركات تنظيم الحفلات بشكل دائم عن عروضها الخاصة بمثل تلك المناسبات، والطرق الجديدة والمبتكرة التي يمكن أن تقدمها للأزواج، ومن اللافت أن هناك حفلات تقدر تكلفة بعضها بآلاف الدنانير، بسبب استخدام كم كبير من المواد والتحضيرات، وأحيانا طاقم بشري للمساعدة في العرض.
السعادة لا تحتاج إلى استعراضكما يعلق معتصم البكري على أحد منشورات المشاهير الخاصة بحفل كشف جنس الجنين بالقول: " إن أكثر ما يثير حزنه على هذه الأجيال القادمة هو أنهم باتوا يشاهدون كل يوم أمورا مبالغا فيها، سواء من ناحية حفلات الزفاف الأسطورية، أو الخطبة بطريقة خيالية، أو حفلات إعلان جنس الجنين المبالغ فيها بمظاهر لا تنتهي".
ويضيف البكري أن الشيء البسيط في نظرهم اليوم بات مملا، ولم تعد الحياة الطبيعية ترضيهم، " مؤسف أن يكبر هذا الجيل وهو يظن أن السعادة تحتاج إلى استعراض وتصوير وتصفيق من الناس، بينما كانت أجمل الأشياء في الحياة دائمًا أبسطها وأصدقها".
وبسبب التداخل النفسي والمجتمعي والتربوي لهذه الظاهرة" الرقمية الاجتماعية"، تقول الاختصاصية في الإرشاد النفسي التربوي والأسري الدكتورة هنادي الجبالي، إن حفلات تحديد جنس الجنين أصبحت من الظواهر الاجتماعية المنتشرة بشكل واسع في السنوات الأخيرة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع التأثير الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي على تفاصيل الحياة اليومية، وبينما يراها البعض وسيلة جميلة لمشاركة الفرح وتجديد المشاعر الإيجابية داخل الأسرة، يرى آخرون أن المبالغة فيها حوّلتها من مناسبة عائلية بسيطة إلى سلوك استعراضي قد يحمل آثارًا نفسية واجتماعية وسلوكية تتجاوز مجرد الاحتفال.
الحاجة إلى التقدير الاجتماعيوتبين الجبالي أن الإنسان يميل بطبيعته إلى مشاركة اللحظات السعيدة مع الآخرين، لأن المشاركة الاجتماعية للمشاعر الإيجابية تعزز الإحساس بالانتماء والدعم العاطفي، لذلك فإن رغبة الزوجين في الاحتفال بجنس المولود قد تكون في أصلها تعبيرا طبيعيا عن الفرح والترقب وبداية مرحلة جديدة في حياتهما.
لكن علم النفس الاجتماعي يوضح أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي عززت ما يسمى بـ" الحاجة إلى التقدير الاجتماعي"، حيث أصبح بعض الأشخاص يقيسون قيمة تجاربهم بكمية التفاعل والإعجاب الذي يحصلون عليه من الآخرين، وهنا قد تتحول المناسبة تدريجيا من فرح شخصي إلى محاولة للحصول على القبول الاجتماعي أو إثبات صورة مثالية أمام الناس.
ومن زاوية التأثير الاجتماعي وانتقال السلوك عبر المجتمع، تعتقد الجبالي أن انتشار هذه الحفلات بشكل كبير يأتي نتيجة ما يعرف في علم الاجتماع بـ" العدوى الاجتماعية"، أي انتقال السلوكيات والعادات من مجتمع إلى آخر عبر المشاهدة والتقليد المتكرر، فالكثير من الأزواج قد لا تكون لديهم رغبة حقيقية بإقامة هذه الحفلات، لكنهم يشعرون بضغط غير مباشر بسبب انتشارها ورؤيتهم المتكررة لها عبر الإنترنت.
البحث عن الإبهار والتفاعل الإلكترونيكما أن المجتمع الرقمي خلق نوعا من المقارنة المستمرة بين الناس، حيث يبدأ الأفراد بمقارنة احتفالاتهم وإمكاناتهم بما يشاهدونه عند الآخرين، ما قد يولد شعورا بالنقص أو الإحراج لدى بعض الأسر التي لا تستطيع مجاراة هذا المستوى من الإنفاق أو الاستعراض.
من ناحية سلوكية، توضح الجبالي أن المناسبة تحولت إلى سلوك استعراضي، والتكرار المستمر لمشاهدة هذا النوع من المحتوى يجعل الدماغ يتعامل معه كسلوك" طبيعي ومتوقع"، خاصة مع التعزيز الذي يحصل عليه أصحاب هذه الحفلات من الإعجابات والتعليقات، وفي علم النفس السلوكي يسمى هذا بـ" التعزيز الاجتماعي"، حيث يتم تقوية السلوك كلما حصل صاحبه على اهتمام أكبر من الآخرين.
لكن المشكلة، وفق الجبالي، تبدأ عندما تصبح قيمة المناسبة مرتبطة بحجم الإبهار أو التفاعل الإلكتروني بدلا من معناها الحقيقي، وهنا قد يدخل الزوجان في دائرة من الضغط النفسي والتنظيم المبالغ فيه خوفا من الانتقاد أو المقارنة، مما يحول لحظة الفرح إلى مصدر توتر واستنزاف نفسي ومادي.
وتشدد الجبالي في ذات الوقت على مدى التأثير النفسي للتعليقات والتنمر الإلكتروني، إذ إن من أخطر الجوانب المرتبطة بهذه الظاهرة أن تفاصيل الاحتفال تعرض أمام جمهور واسع ومتنوع، ما يفتح المجال للتنمر والتعليقات السلبية، حيث تشير الدراسات النفسية إلى أن الإنسان يتأثر بالنقد الاجتماعي أكثر من تأثره بالمديح، لأن الدماغ يتعامل مع الرفض الاجتماعي كنوع من التهديد النفسي.
تآكل الحدود بين الحياة الخاصة والعامةلذلك قد تؤدي التعليقات الساخرة أو المقارنات أو الانتقادات إلى شعور الزوجين بالإحراج أو التوتر أو حتى الندم، خاصة إذا كانت المرأة الحامل تمر أصلا بتغيرات هرمونية وحساسية نفسية مرتفعة خلال فترة الحمل، وفي بعض الحالات قد يتحول الضغط الناتج عن التفاعل الاجتماعي إلى قلق مستمر مرتبط بالصورة الاجتماعية أمام الآخرين.
كما يوضح علم النفس الحديث أن الإفراط في مشاركة التفاصيل الشخصية قد يؤدي تدريجيا إلى تآكل الحدود بين الحياة الخاصة والحياة العامة، بحسب الجبالي، فكلما اعتاد الإنسان على عرض تفاصيله أمام الآخرين، أصبح أكثر ارتباطا بآرائهم وتقييمهم المستمر.
كما أن تحويل اللحظات الخاصة إلى محتوى عام قد يجعل الشخص يعيش الحدث بعين الكاميرا والجمهور أكثر من عيشه الحقيقي للمشاعر نفسها، وهنا تظهر مشكلة" العيش من أجل التوثيق"! بدلا من العيش الطبيعي للحظة.
وتنوه الجبالي إلى فكرة التكاليف المادية والضغط الاجتماعي وتأثيرها، حيث إن المبالغة في الإنفاق على هذه الحفلات تندرج احيانا ضمن ما يسمى" الاستهلاك الاستعراضي"، وهو استخدام المال أو المظاهر لإظهار المكانة الاجتماعية أو الحصول على القبول والانبهار من الآخرين.
وهذا السلوك قد يخلق ضغطا غير مباشر على الأزواج الآخرين، خصوصا في المجتمعات التي تتأثر بالمقارنة الاجتماعية بشكل كبير، وقد يشعر البعض أنهم مضطرون لتقليد النمط نفسه حتى لو كان ذلك فوق طاقتهم المادية، فقط لتجنب الشعور بالنقص أو الانتقاد.
وتتساءل الجبالي: " هل المشكلة في الفكرة أم في المبالغة؟ "، لتبين أنه علميا ونفسيا لا يمكن اعتبار الاحتفال بحد ذاته سلوكا خاطئا، لأن التعبير عن الفرح حاجة إنسانية طبيعية، والمناسبات العائلية قد تعزز الترابط الأسري وتخلق ذكريات إيجابية جميلة.
لكن المشكلة تكمن عندما يفقد السلوك توازنه، ويتحول من مشاركة عفوية للمشاعر إلى سلوك قائم على الاستعراض أو البحث المفرط عن التفاعل الاجتماعي.
فكل سلوك اجتماعي عندما يصبح مرتبطا بالمبالغة والضغط والمقارنة يفقد هدفه الأساسي، وقد يتحول إلى مصدر توتر بدلا من السعادة، لتعكس حفلات تحديد جنس المولود تغيرا واضحا في طبيعة السلوك الاجتماعي الحديث تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، فهي تحمل جانبًا انسانيا جميلا يتمثل في مشاركة الفرح وتعزيز الروابط الأسرية.
لكن يبقى الاعتدال والوعي النفسي والاجتماعي هما العنصر الأهم في التعامل مع هذه الظواهر، بحيث تبقى المناسبة وسيلة حقيقية للسعادة والتقارب، لا عبئا نفسيا أو استعراضا يخضع لتقييم الناس وتعليقاتهم المستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك