وبينما كانت شعوب المنطقة تنتظر من القمة قرارات بحجم العاصفة، خرجت الاجتماعات كمن يحمل الماء في الغربال؛ خطابات براقة بلا التزامات حقيقية، وطموحات كبيرة أطفأتها خلافات التمويل والسيادة والحسابات الثنائية.
الحرب الإيرانية تشعل أزمة الطاقة في جنوب شرق آسياسلّط الكاتب" جوشوا كورلانتزيك"، في مقال نشره مجلس العلاقات الخارجية، الضوء على اجتماع قادة الدول الإحدى عشرة الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا" آسيان" الأسبوع الماضي، موضحًا أن الحرب الإيرانية تسببت في تعطيل تدفق الطاقة الخليجية إلى الأسواق الآسيوية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود في أنحاء جنوب شرق آسيا إلى مستويات قياسية، ودفع اقتصادات عدد من الدول الأعضاء نحو الركود.
وفي هذا الإطار، خفّض بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للتكتل بنسبة قد تصل إلى 2.
3% حال استمرار الصراع لفترة طويلة، وهو أكبر تراجع في التوقعات منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1997.
كما تسبب نقص الوقود في الفلبين وفيتنام في انقطاعات متكررة للكهرباء أثّرت بصورة مباشرة على المجتمعات النائية، بينما لجأت تايلاند إلى تطبيق إجراءات لتقنين الوقود للمرة الأولى منذ أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.
آمال كبيرة قبل قمة مانيلاوسط هذا المشهد القاتم، وصل قادة الآسيان إلى العاصمة الفلبينية" مانيلا" وسط توقعات واسعة بأن تكون هذه القمة مختلفة عن الاجتماعات التقليدية السابقة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة ومخاوف المستثمرين من اتساع تداعيات أزمة الطاقة.
وخلال الأسابيع التي سبقت القمة، تحدث مسؤولو التكتل بإلحاح عن ضرورة تبني استراتيجية إقليمية موحدة للطاقة، فيما دعت إندونيسيا وماليزيا وتايلاند إلى إنشاء احتياطي طارئ مشترك للطاقة، إلى جانب تسريع استيراد الطاقة المتجددة من الصين عبر آلية جماعية منسقة.
كما رأى خبراء ومراكز أبحاث في سنغافورة والولايات المتحدة أن الحرب الإيرانية خلقت فرصة سياسية نادرة قد تدفع دول الآسيان إلى العمل ككتلة موحدة وأكثر تماسكًا.
الانقسامات تُسقط خطط التعاون الإقليميورغم حجم الأزمة، لم تنجح القمة في استثمار هذه الفرصة السياسية، إذ أخفقت دول التكتل مجددًا في التوصل إلى خطة موحدة لمعالجة أزمة الطاقة.
فقد دعا الرئيس الإندونيسي" برابوو سوبيانتو" إلى إنشاء احتياطي استراتيجي إقليمي للبترول، وهو المقترح الذي أعادت جاكرتا طرحه للمرة الثالثة خلال قمم الآسيان دون تحقيق أي تقدم.
كما طالب الرئيس الفلبيني" فرديناند ماركوس جونيور" بتشكيل فريق وزاري طارئ للطاقة، يتولى إعداد اتفاقيات مُلزمة للتعاون في قطاع الطاقة خلال تسعين يومًا.
من جانبه، حاول رئيس الوزراء الماليزي" أنور إبراهيم" لعب دور الوسيط عبر طرح مجموعة من التدابير التوافقية، شملت آلية طوعية لتبادل المعلومات حول احتياطات الطاقة، وتحركات دبلوماسية مشتركة لتأمين عقود جديدة للغاز الطبيعي المسال، بالإضافة إلى إنشاء فريق عمل إقليمي للطاقة المتجددة.
مصالح متضاربة تُفشل الاتفاقورغم كثافة الطروحات، لم تتمكن الدول الإحدى عشرة من الاتفاق على أي إجراء عملي.
وعلى هامش القمة، فضّلت فيتنام وتايلاند إجراء مباحثات ثنائية بشأن اتفاق محتمل لتقاسم الطاقة، بعيدًا عن المسار الجماعي للآسيان.
في المقابل، مارست بروناي وكمبوديا، اللتان تعتمدان بدرجة كبيرة على عائدات الوقود الأحفوري، ضغوطًا غير معلنة لعرقلة أي التزام جماعي بالتحول إلى الطاقة المتجددة.
كما انهار المقترح الإندونيسي لإنشاء احتياطي نفطي إقليمي بسبب استمرار الخلافات حول آليات التمويل، والجهة المسؤولة عن إدارة الاحتياطي، وشروط استخدامه وقت الأزمات.
ورفضت تايلاند الالتزام بمساهمة مالية ثابتة في الاحتياطي المقترح، بينما أبدت فيتنام تحفظًا تجاه أي ترتيبات إقليمية قد تؤثر على مفاوضاتها السرية مع الصين بشأن مشروع محطة غاز طبيعي مسال ممولة من بكين.
فشل يتجاوز الطاقة إلى التجارة والمناخولم يتوقف الإخفاق عند ملف الطاقة، بل امتد إلى ملفات أخرى، من بينها التجارة، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، والبنية التحتية الرقمية، وتمويل التكيف مع تغير المناخ.
وفي ملف بحر الصين الجنوبي، فشل التكتل مرة أخرى في التوصل إلى مدونة سلوك بحرية، رغم استمرار المفاوضات مع الصين بشأنها منذ أكثر من عقدين دون نتائج ملموسة.
أما في ملف البنية التحتية الرقمية، فقد أُحيل مقترح إنشاء إطار لحوكمة الذكاء الاصطناعي داخل الآسيان إلى فريق عمل جديد، دون اتخاذ قرارات تنفيذية واضحة.
وفي ما يتعلق بتمويل التكيف المناخي، تعطلت خطة تجميع الموارد لمواجهة الفيضانات والجفاف بسبب الخلافات المستمرة حول آليات تقاسم الأعباء المالية بين الدول الأعضاء.
قمة بطموحات مرتفعة ونتائج هزيلةوفي نهاية المطاف، خرجت قمة الآسيان بالنتيجة ذاتها التي كثيرًا ما وُجهت إليها الانتقادات بسببها؛ بيانات طموحة بلا التزامات مُلزمة، وتوافقات لفظية عجزت عن التحول إلى خطوات عملية، لتبقى أزمة الطاقة اختبارًا جديدًا يكشف حدود العمل الجماعي داخل التكتل الآسيوي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك