منذ معاهدة وستفاليا 1648 بألمانيا , صار العالم يعرف ما يسمى بالنظام العالمي.
تلك المعاهدات أنهت حروبا أوروبية استمرت عشرات السنين وكانت بداية النظام العالمي الذي يعترف بقوة او اكثر عطمى تقود العالم ويكون لها الكلمة المسموعة.
وقد شهد القرن العشرين وجود قوتين عظميين تديران شئون العالم , هما امريكا والاتحاد السوفييتي.
كانت الدولتان قد ورثتا بريطانيا وفرنسا اللتين خرجتا من الحربين العالميتين منهكتين ووقامت حركات تحررية بمستعمراتهما قلصت من قوتهما ونفوذهما في العالم وهو مارورثته أمريكا والاتحاد السوفييت.
في النصف الثاني من القرن العشرين دانت الهيمنة في العالم لهذين القطبين , لكن صراعا بينهما دار في النصف الثاني من القرن العشرين , سمى الحرب الباردة.
انتهت تلك الحرب الباردة في أوائل تسعينات القرن العشرين بتفكك الاتحاد السوفييتي بدون طلقة رصاص واحدة , وقد عد ذلك انتصارا كبيرا للغرب وعلى رأسه أمريكا.
للكن مع بدايات القرن الحادي والعشرين بدأت قوة كبرى جديد تصعد سريعا وهي الصين.
في خلال سنوات قليلة تربعت الصين على مكانة كبيرة في العالم وصارت صاحبة ثاني أقوى اقتصاد عالمي بعد أمريكا وربما ثاني أو ثالث أكبر قوة عسكرية في العالم , واهم مام يميزها تفوقها الاقتصادي , فهي دولة بدون ديون , وكذلك تفوقها التكنولوجي الذي يلاحق التفوق الغربي بسرعة شديدة.
حين ننظر إلى القرنين العشرين والحادي والعشرين، نرى كأن التاريخ يعرض علينا مشهدين متعاكسين لكنهما متصلان بخيط خفي واحد , كيف تنتصر الدول العظمى؟ وكيف تنهار؟امتلك الاتحاد السوفييتي في ذروة قوته آلاف الدبابات والصواريخ النووية وجيوشا هائلة امتدت من قلب أوروبا إلى أقاصي آسيا، ومع ذلك انهار دون أن تطلق أمريكا عليه رصاصة واحدة.
أما الصين فهي تتقدم اليوم بهدوء وثبات، وتحقق مكاسب استراتيجية هائلة أيضا دون حرب مباشرة.
كأن موسكو حاولت أن تهزم أمريكا بالسلاح، بينما قررت بكين أن تجعل أمريكا نفسها تعتمد عليها.
ولكي نفهم لماذا سقط الاتحاد السوفييتي في سباقه وتنافسه مع أمريكا بينما تتقدم الصين، يجب أن نعود إلى الجذور الفكرية لكل تجربة.
بعد الثورة الروسية عام 1917 خرج الاتحاد السوفييتي إلى العالم باعتباره مشروعا عقائديا ضخما، لا مجرد دولة.
كانت الشيوعية السوفييتية ترى نفسها رسالة تاريخية تهدف إلى إعادة تشكيل العالم وإسقاط الرأسمالية الغربية.
منذ البداية أصبحت السياسة والاقتصاد والحرب أدوات في خدمة العقيدة.
وهذا ما أوجد الفرق العميق بين موسكو وواشنطن.
أمريكا تعاملت مع الأيديولوجيا بوصفها وسيلة لحماية مصالحها الاقتصادية وتوسيع نفوذها، بينما تعامل السوفييت مع الاقتصاد باعتباره خادما للأيديولوجيا.
لذلك بني الاقتصاد السوفييتي على مركزية شديدة , الدولة تنتج وتوزع وتحدد الأسعار والكميات، حتى بدا المجتمع كله وكأنه مصنع عسكري ضخم تديره البيروقراطية.
في العقود الأولى نجح هذا النموذج بصورة أدهشت العالم.
استطاع الاتحاد السوفييتي أن يتحول من دولة زراعية متخلفة إلى قوة صناعية وعسكرية كبرى خلال فترة قصيرة، وأن ينافس الغرب في الفضاء والتسلح والعلوم.
لكن هذا النجاح أخفى عيبا كبيرا , أن الاقتصاد المركزي يستطيع أن يعبئ الموارد للحرب، لكنه لا يجيد خلق الإبداع المدني والحياة الاستهلاكية المزدهرة.
كان السوفييت قادرين على إنتاج الصواريخ العابرة للقارات، لكنهم تخلفوا عن الغرب في إنتاج السيارات أو الثلاجات أو الأجهزة المنزلية التي تثير رغبة الناس وشغفهم.
بينما كانت أمريكا تبني قوتها بطريقة مختلفة , بجانب الدبابات والطائرات , كانت الجامعات والشركات العملاقة والسينما والإعلانات والثقافة الشعبية والحلم الأمريكي نفسه , أي كل عناصر القوة الناعمة.
وهو السلاح الذي لم يركز عليه السوفييت بالعمق الكافي.
بعد الحرب العالمية الثانية اكتشفت أمريكا أن السيطرة الحديثة لا تقوم فقط على إخافة العالم، بل على إغرائه أيضا.
كانت عناصرها وسلاحها , هوليوود، الموسيقى، الجينز، الوجبات السريعة، التكنولوجيا، كل تفاصيل أسلوب الحياة.
ذلك لم يكن تفاصيل ثقافية بريئة، كان جزء من منظومة نفوذ هائلة جعلت ملايين البشر ينظرون إلى أمريكا باعتبارها النموذج المثالي للدولة الحديثة.
الاتحاد السوفييتي كان يثير الرهبة، لكن أمريكا كانت تثير الرهبة والرغبة.
وهذا فرق هائل في تقييم الإمبراطوريات.
مع دخول الثمانينيات، أصبح المواطن السوفييتي يرى عبر الإعلام والتهريب والقصص القادمة من الغرب صورة مختلفة للحياة , يسمع ويشاهد رفاهية أعلى، حرية أوسع، منتجات أجمل، وتقنيات أكثر تقدما.
في نفس الوقت كانت الدولة السوفييتية تنفق جزءا هائلا من مواردها على سباق تسلح مرهق مع أمريكا.
وهنا لعبت واشنطن لعبة استراتيجية شديدة القسوة والذكاء.
في عهد رونالد ريغان رفعت أمريكا إنفاقها العسكري بصورة ضخمة، وأطلقت مشاريع دفاعية هائلة مثل مشروع حرب النجوم.
لم يكن الهدف الحقيقي خوض حرب مباشرة بقدر ما كان الهدف دفع الاتحاد السوفييتي إلى سباق لا يستطيع تحمله اقتصاديا.
كانت أمريكا تملك اقتصادا مرنا، وأسواقا مفتوحة، وعملة تتحكم في النظام المالي العالمي، وشركات تكنولوجية عملاقة، وقدرة هائلة على الابتكار والإنتاج.
أما الاتحاد السوفييتي فكان اقتصاده مغلقا وأقل كفاءة ومرونة.
لذلك تحول سباق التسلح تدريجيا إلى نزيف داخلي قاتل.
بدا وكأن موسكو تمتلك جسد مصارع عملاق، لكنها تعاني قلبا مرهقا لا يتحمل سباقا طويلا مجهدا.
جاءت الحرب السوفييتية في أفغانستان لتضيف جرحا ينزف بشدة.
الحرب الطويلة استنزفت المال والروح المعنوية والهيبة السياسية.
دعمت أمريكا خصوم السوفييت هناك، واستخدمت أفغانستان كفخ استراتيجي لاستنزاف القوة السوفييتية، تماما كما استنزفت أمريكا سابقا في فيتنام.
في تلك اللحظة التاريخية، بدأ الاتحاد السوفييتي يفقد أخطر شيء يمكن أن تفقده إمبراطورية , الإيمان بنفسها.
وجاء ميخائيل جورباتشوف حاكما ضعيفا لم يستطع تقويم دولة بهذا الحجم والقوة , ذات جسد عملاق لكنه ترهل.
تصدع الاتحاد السوفييتي بسرعة كبيرة وساع الغرب وأمريكا على تعميق هذا التصدع فانهار بسرعة مفاجئة.
وفي عام 1991 انتهى الاتحاد السوفييتي بلا معركة.
لم تسقط موسكو بقصف خارجي، بل سقطت تحت ثقل تناقضاتها الداخلية واستنزافها الاقتصادي.
أما الصين فكانت تراقب بعين باردة وحذرة كل ما حدث للاتحاد السوفييتي النموذج الول والأكبر للدولة الشيوعية.
لم ينظر الصي إلى سقوط الاتحاد السوفييتي كحدث دولي، بل باعتباره درسا تاريخيا مرعبا يجب ألا يتكرر أبدا.
من هنا بدأت تبني استراتيجيتها بطريقة مختلفة جذريا.
فإذا كان السوفييت حاولوا منافسة أمريكا عسكريا وأيديولوجيا في كل مكان على الأرض، فقد اختارت الصين ساحة أخرى مختلفة تماما , ساحة الاقتصاد.
وبدلا من أن تقول , سنهزم الغرب، قالت , سنجعل الغرب يعتمد علينا.
وهنا يكمن تفرد وإبداع التجربة الصينية.
بعد إصلاحات دنج شياو بينج خليفة ماو تسي تونج الزعيم التاريخي للصين , بدأت بكين في تبني نموذج غير مسبوق , احتفظت بكامل السلطة السياسية للحزب الشيوعي، مع انفتاح اقتصادي واسع يسمح بالاستثمار والتجارة والرأسمالية والإنتاج العالمي.
لم تعد الرأسمالية عدوا يجب تدميره، بل أداة يمكن استخدامها لخدمة المشروع الصيني.
ردد دنج شياو بينج عبارة ماو الشهيرة , لا يهم لون القط، أبيض أم أسود، المهم أن يصطاد الفئران.
هذه العبارة تختصر الفلسفة الصينية الجديدة كلها , البراجماتية تتجاوز العقيدة في الزمن الحالي.
استقبلت الصين الشركات الغربية، واستوردت التكنولوجيا، وبنت المصانع، وراكمت الخبرات، وحولت البلاد تدريجيا إلى مصنع العالم.
وخلال عقود قليلة أصبحت جزءا أساسيا ورئيسيا من سلاسل الإمداد العالمية.
وبينما اعتقدت أمريكا أنها تستخدم الصين كمركز إنتاج منخفض التكلفة، اكتشفت أن اقتصادها أصبح مرتبطا بالصين بصورة متينة.
المنتجات الأمريكية تصنع جزئيا في الصين، والشركات الأمريكية تعتمد على السوق الصينية، والمواطن الأمريكي العادي يستهلك يوميا سلعا صينية.
بنت بكين نفوذا من نوع جديد , لا يقوم على القوة العسكرية , بل على التشابك والاندماج العميق في الاقتصادي العالمي.
فهل تستنزف الصين أمريكا اقتصاديا , كما فعلت أمريكا مع الاتحدا السوفييتي؟ الإجابة نعم، لكن بطريقة مختلفة , الصين لا تهدف إلى إسقاط أمريكا دفعة واحدة، فانهيار الاقتصاد الأمريكي يضرها أيضا.
العلاقة بين البلدين ليست علاقة عداء تقليدي، بل علاقة عملاقين اقتصاديين مرتبطين بسلسلة معقدة من التجارة والديون والاستثمارات والتكنولوجيا.
تعمل الصين بهدوء على تقليل اعتمادها على الدولار، وتوسيع نفوذها التجاري، والسيطرة على المعادن النادرة، وبناء طرق وموانئ ومشاريع ضخمة عبر مبادرة الحزام والطريق، و تطوير التكنولوجيا المحلية ومنافسة الغرب في الذكاء الاصطناعي والطاقة والرقائق الإلكترونية.
رغم كل هذا، فإن الحديث عن انتصار صيني نهائي ما زال مبكرا للغاية.
فالصين تواجه مشكلات ضخمة أيضا , فهي تعاني من شيخوخة سكانية، وتباطؤ اقتصاديا، وأزمات عقارية، وقلقا عالميا من صعودها، بجانب القيود الأمريكية على التكنولوجيا المتقدمة.
كما أن أمريكا لا تزال تمتلك عناصر قوة هائلة , الدولار، الجامعات، التحالفات العسكرية، الابتكار العلمي، والقوة الناعمة التي ما زالت الأكثر تأثيرا عالميا.
إن الصراع الحالي ليس نسخة مكررة من الحرب الباردة القديمة.
الحرب بين أمريكا والاتحاد السوفييتي كانت صراعا بين أيديولوجيتين متناقضتين تريد كل منهما إلغاء الأخرى.
أما الصراع الأمريكي الصيني اليوم فهو أقرب إلى صراع على قيادة النظام الاقتصادي والتكنولوجي العالمي نفسه.
حاول الاتحاد السوفييتي أن يهزم أمريكا من خارج النظام العالمي، أما الصين فتحاول الدخول إلى قلب هذا النظام، ثم إعادة تشكيله من الداخل.
الحقيقة الكبرى تكشف أن الدول لم تعد تنتصر فقط بما يخشاه العالم منها، بل بما يحتاجه العالم منها أيضا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك