تواجه المالية العامة للسعودية ضغوطاً مزدوجة غير مسبوقة، إذ كشفت البيانات الرسمية عن اتساع العجز المالي في موازنة الربع الأول من العام الجاري ليصل إلى 33.
5 مليار دولار (125.
7 مليار ريال)، متجاوزاً ضعف العجز المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة قفزة حادة في الإنفاق الحكومي بنسبة 20% لتصل المصروفات إلى 103 مليارات دولار، مدفوعة بضرورات تأمين الاحتياجات الاستراتيجية والإنفاق العسكري الطارئ، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز.
ورغم الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية، سجلت الإيرادات النفطية السعودية انكماشاً بنسبة 3%، ما يعكس الفجوة المتزايدة بين أسعار السوق والقدرة الفعلية على إيصال الشحنات إلى الأسواق العالمية، وهو ما يضع الخزانة السعودية أمام اختبار حقيقي لاستدامة هذا النمط التوسعي من الإنفاق في ظل قيود التصدير القائمة، وفق محللين.
وفي مقابل نجاح الرياض بتحويل جزء كبير من صادراتها عبر خط أنابيب" شرق-غرب" إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، تكشف إن سقف السعة الاستيعابية لهذا الخط يمنع المملكة من الاستفادة الكاملة من" علاوة المخاطر" التي رفعت أسعار خام برنت.
كما تكشف التحليلات أن تكاليف الشحن والتأمين وعلاوات المخاطر الحربية تلتهم جزءاً كبيراً من العوائد الصافية، ما يعني أن الميزانية لا تستفيد فعلياً من ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، رغم أنها تحتاج إلى سعر تعادل يبلغ 94 دولاراً فقط لتغطية الإنفاق الحكومي، حسب تقرير نشرته منصة" هاوس أوف سعود"، المتخصصة في الشأن السعودي، في 10 مايو/آيار الجاري.
وإزاء ذلك، تراقب وكالات التصنيف الائتماني حالياً مستويين حاسمين يمثلان جرس الإنذار لخفض التصنيف السيادي للمملكة؛ الأول هو انخفاض الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي إلى ما دون حاجز 350 مليار دولار، وهو المستوى الذي قد يهدد استقرار ربط الريال بالدولار، والثاني هو تسارع وتيرة نمو الدين العام ليتجاوز 35% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الموعد المخطط له، حسب ما أورد تقرير نشرته وكالة" موديز" للتصنيف الائتماني، في 11 مايو الجاري.
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، لـ" العربي الجديد"، إلى أن قفزة الإنفاق بنسبة 20% في الميزانية السعودية جاءت نتيجة التداعيات المباشرة للحرب، موضحاً أنه في حال استمرار هذا الواقع وإطالة أمده، فمن المتوقع أن يحافظ الإنفاق على وتيرته المرتفعة لتلبية متطلبات المرحلة، في وقت تواجه فيه الإيرادات تحديات كبيرة، خصوصاً مع إغلاق مضيق هرمز الذي يعطل تدفقات الدخل النفطي.
ورغم اختلال التوازن بين الإيرادات والنفقات في الظرف الراهن، فإن التصنيف الائتماني للمملكة عند مستوى" A+" لا يزال من بين الأعلى عالمياً، حسب درويش، الذي أوضح أن هذا التصنيف مدعوم بالسيولة المرتفعة والاحتياطيات المالية الضخمة، ما يمنح الاقتصاد السعودي متانة وقدرة كبيرة على امتصاص الصدمات والاستمرار في ظل الظروف الإقليمية المضطربة.
ولذلك، لا يتوقع درويش أن تقدم وكالات التصنيف الائتماني على خفض تصنيف السعودية في المدى المنظور، نظراً لقدرة الاحتياطيات الكبيرة على تغطية العجز وضمان استقرار الوضع المالي، بما يعكس صلابة الاقتصاد السعودي وقدرته على الحفاظ على مصداقيته المالية رغم التحديات الجيوسياسية الراهنة، وفق تقديره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك