في السنوات الأخيرة ظهرت أعمال روائية تحاول مقاربة مسألة الهجرة من زوايا مغايرة، لعل أكثرها كانت مدفوعة برغبة أصحابها في تحطيم الصورة النمطية للشرقي اللاهث وراء سراب أوروبا المكروهة والمرغوبة في آن، بينما حملت أخرى همّاً تأريخياً لفترات منسية كانت فيها أحوال الهجرة مغايرة لما هي عليه اليوم.
الروائي التونسي محمد عيسى المؤدب هو أحد هذه الأصوات التي حاولت في السنوات الأخيرة بناء مشروع من عدة روايات تسائل على طريقتها هذه العلاقة بين الشرق والغرب، وفي حالة تونس، بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية.
تدور روايته" القلادة الروسية" (منشورات ميسكلياني، تونس، 2026) حول الجالية الروسية التي رست سفينتها في ميناء بنزرت أواخر سنة 1920 هرباً من الحرب المستعرة بين البلاشفة وأعداء الثورة.
ترث أولينا نيفسكي عن أمها التي لقيت حتفها قلادة سلافية تتمسّك بها طوال سنوات المنفى مثل رابط وجداني أخير بوطنها، لكنها تفقدها في سنوات شيخوختها، لتنخرط سائر شخصيات الرواية في البحث عنها، ما يولّد المزيد من الحكايات والذكريات حول الجاليات الأخرى من مالطيين وإيطاليين وغيرهم ممن كانوا يتعايشون في تونس زمن الاستعمار الفرنسي.
في هذه الرواية يبرز الطابع البوليسي بوصفه خياراً تقنياً جديداً لم يسبق للمؤدب استخدامه، خلق نسقاً متسارعاً لتوالد الحكايات من بعضها.
أمّا من حيث المضمون، فيمكن اعتبار هذا العمل الأكثر نضجاً في الموازنة بين مصائر المنفيين وأصحاب الأرض، ليظهر ذلك خاصة من خلال معايشة معركة بنزرت 1961، التي تعرف في تونس بملحمة الجلاء، حيث فتحت القوات الفرنسية النار على المقاومين والمدنيين على حد سواء ما أسفر عن سقوط 630 شهيداً وأكثر من ضعفهم جرحى.
تناقش أعماله أحوال الهجرة والمنفى والحوار بين الهوياتفي رصيد المؤدب أيضاً رواية بعنوان" جهاد ناعم" (دار زينب للنشر والتوزيع، تونس، 2016) ونالت جائزة الكومار الذهبي في العام التالي، واشتغل فيها على موضوع" الحرقة" (الهجرة غير النظامية) من تونس نحو السواحل الإيطالية، لكنه عاد في أعماله اللاحقة ليوجّه دفّة السفن والمراكب نحو الجنوب.
روايته" حمّام الذهب" (دار مسعى للنشر والتوزيع كندا/ منشورات ميسكلياني، تونس، 2019)، مثلت بداية اهتمام الكاتب بالحفر في تاريخ الهجرة من المدن الأوروبية في اتجاه تونس، حيث تعود بنا الأحداث إلى نهاية القرن الخامس عشر زمن حروب الاسترداد في إسبانيا، وإقامة محاكم التفتيش والتهجير القسري لليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث مثلت تونس إحدى الوجهات.
تخوض الرواية في مسألة الهوية المفقودة وتقنيات التعايش مع المسلمين في المدينة العتيقة بالعاصمة، والأساطير التي تبنّتها تلك الأقلية لغايات اجتماعية وعقديّة مختلفة تجسّدت في الرواية من خلال أسطورة حمّام الذهب الذي سرت إشاعة أنه يبتلع العذارى اليهوديات.
في" حذاء إسباني" (منشورات مسكلياني، تونس، 2020)، يرسم حكاية هجينة بين التاريخ والخيال، إذ يقتفي المؤدب الضابط الإسباني مانويل قريقوري من خلال سيرته التي يتناقلها أهالي مدينة قليبية الساحلية، والوثائق التي استطاع الوصول إليها، عن الجنود والمدنيين الجمهوريين الهاربين من بطش نظام فرانكو إبان الحرب الأهلية في إسبانيا.
في هذا العمل يحضر الأوروبي المنفي في تونس حاملاً داخله شرخاً يأبى أن يندمل، رغم جهود الاندماج في المجتمع وتحسّن الوضع الاقتصادي والاجتماعي تدريجياً.
ويكثر في الرواية استخدام تقنية الفلاش باك في ذهن البطل، الذي لا يقوى على إتيان أي أمر في الأرض الجديدة دون استرجاع حياته السابقة في الضفة المقابلة للمتوسط، فالنساء يذكرنه بأخريات أحبّهن في الماضي، وكذلك المعاملات مع القوم البسطاء، وحتى الأمطار تحفّز في ذاكرته رائحة مطر إسبانيا.
هي رواية، خلافاً لـ" حمّام الذهب"، تجسّد حنيناً لوطن لا يزال ماثلاً في الزمان والمكان نفسهما، لكنه عصيّ على الإدراك بسبب القمع السياسي واستبداد الأمر الواقع.
كثيراً ما وصفت أعمال المؤدّب بمعالجة مسألة الأديان والهوية، لكنّ القراءة المتمعقة في أعماله تظهر أن مشروعه تجاوز من عمل إلى آخر مجرد الوعظ حول التسامح والحوار بين الهويات، نحو الإبراز الفعلي للمشترك بين الإنسان أيا كان بلده وعرقه، وكيف تشكّل الحروب والأزمات الكبرى والمغامرات السياسية الطائشة مصائر الناس عبر التاريخ، لتتقاذفهم ضفتا البحر، تارة في هذا الاتجاه وتارة في الاتجاه الآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك