في مملكة البحرين ومنطقة الخليج العرب، تبرز الأمراض المزمنة غير السارية، وعلى رأسها داء السكري وأمراض القلب والشرايين، من أبرز التحديات الصحية المعاصرة.
وتشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري لعام 2024 إلى أن نحو %22.
1 من البالغين في البحرين مصابون بالسكري، أي ما يقارب واحداً من كل خمسة أشخاص، وهي نسبة تعكس عبئاً صحياً متزايداً يستدعي تعزيز الوعي والوقاية والتدخل المبكر.
غير أن الخطر لا يكمن في السكري وحده، بل في تحالفه الصامت مع اعتلال الدهون في الدم، وهو اضطراب شائع يرافق المرضى ويُسرّع من تطور تصلب الشرايين، ليُشكّل الاثنان معاً أحد أبرز أسباب الجلطات القلبية والسكتات الدماغية.
اعتلال الدهون: المحرك الخفي لتصلب الشرايييُعرَّف اعتلال الدهون (Dyslipidemia) باضطراب مستويات الدهون في الدم، ويشمل ارتفاع الكوليسترول الضار LDL-) (C، وارتفاع الدهون الثلاثية، وانخفاض الكوليسترول النافع.
(HDL-C) كما أولت الإرشادات الحديثة اهتماماً متزايداً بالبروتين الدهني )أ( Lp(a)، وهو عامل وراثي قد يزيد من خطر تصلب الشرايين حتى في غياب العوامل التقليدية.
ويُعدّ الكوليسترول الضار العامل المحوري في هذه العملية؛ إذ يتسلل إلى جدران الشرايين ويتأكسد، ثم يتراكم مكوّنًا لويحات دهنية قد تتمزق فجأة، مسببةً انسداداً حاداً يؤدي إلى جلطة قلبية أو دماغية.
السكري: مرض وعائي عالي الخطورةلم يعد السكري يُنظر إليه كمرض يقتصر على ارتفاع سكر الدم، بل كحالة وعائية شاملة تؤثر بشكل مباشر في الأوعية الدموية.
فارتفاع السكر المزمن يؤدي إلى تلف بطانة الشرايين، وزيادة الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وتعزيز قابلية التجلط.
وعند اقترانه باعتلال الدهون، تتضاعف المخاطر بشكل ملحوظ.
وتؤكد الإرشادات الدولية لعام 2026 أن غالبية مرضى السكري بين سن 40 و75 عاماً يُصنَّفون ضمن الفئات ذات الخطورة القلبية الوعائية المتوسطة إلى المرتفعة، حتى في غياب الأعراض، خاصة عند وجود ما يُعرف بُمض ¸خّمات الخطر، مثل طول مدة المرض، أو اعتلال الكلى، أو الشبكية، أو الأعصاب.
المضاعفات الصامتة: حي يأتي التشخيص متأخرا˝تكمن خطورة هذا التحالف في غياب الأعراض المبكرة، حيث قد تمر سنوات دون أن يشعر المريض بأي خلل، بينما تتطور المضاعفات تدريجياً.
وغالباً ما يُكتشف المرض لأول مرة في صورة مضاعفات خطيرة، كالذبحة الصدرية، أو احتشاء عضلة القلب، أو السكتة الدماغية، أو ضعف الدورة الدموية في الأطراف.
الفحوصات: أداة الحسم المبكريُوصى بإجراء تحليل الدهون بشكل دوري لجميع مرضى السكري، ويشمل الكوليسترول الكلي، وLDL، وHDL، والدهون الثلاثية، إضافة إلى قياس البروتين الدهني )أ( مرة واحدة على الأقل في العمر.
كما يمكن الاستعانة بفحص الكالسيوم التاجي (CAC) في بعض الحالات لتقييم خطر تصلب الشرايين بشكل أدق.
العلاج: من ضبط الأرقام إلى حماية القلب – رؤية 2026شهدت السنوات الأخيرة تحولًا جوهريًا في مفهوم العلاج؛ إذ لم يعد الهدف مقتصراً على خفض السكر أو الكوليسترول، بل أصبح التركيز منصبّاً على تقليل الجلطات، والوفيات، وحماية القلب والكلى.
يبقى حجر الأساس الذي لا غنى عنه، ويشمل:• نظاماً غذائياً صحياً على النمط المتوسطي.
• نشاطاً بدنياً لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً.
• الإقلاع التام عن التدخين.
ثانيا: ˝ علاج اعتلال الدهونتُعدّ أدوية الستاتين (Statins) الخيار الأول لخفض الكوليسترول، لما لها من فعالية مثبتة في تقليل الجلطات القلبية والسكتات الدماغية.
وفي حال عدم تحقيق الأهداف العلاجية، يمكن إضافة أدوية مثل:• مثبطات PCSK9 مثل إيفولوكوماب (Evolocumab) وأليروكوماب.
(Alirocumab).
(Bempedoic acid) البمبيدويك حمض •.
(Inclisiran) إنكليسيران •ثالثا: ˝ أدوية السكري ذات الفائدة القلبية – محور توصيات 2026تُشدّد إرشادات 2026 على البدء المبكر بأدوية السكري التي أثبتت فائدتها القلبية والكلوية، حتى في بعض الحالات بصرف النظر عن مستوى السكر التراكمي (HbA1c)، لا سيما لدى المرضى عاليي الخطورة.
وتنقسم هذه الأدوية إلى ثلاث فئات رئيسية، لك „لّ منها موقعها في الخطة العلاجية:مثل سيماجلوتايد (Semaglutide)، المعروف تجاريًا باسم أوزمبيك (Ozempic) وويغوفي.
(Wegovy) تُوصى هذه الفئة لمرضى السكري المصحوبين بالسمنة أو بارتفاع خطر الأمراض القلبية، لأنها:• تُقلّ¸ل خطر الجلطات القلبية والسكتات الدماغية.
• تُساعد على خفض الوزن بشكل ملحوظ.
• تُح ¸سّن المؤشرات الأيضية ووظائف الكلى.
وقد أظهرت الدراسات الكبرى، ومنها تجربة SELECT، انخفاضاً في الأحداث القلبية بنسبة تصل إلى %20، فضلًا عن فوائد واضحة على وظائف الكلى بتقليل تدهورها بنسبة %24 في تجربة.
FLOW.
2 الأدوية المزدوجة GIP/GLP-1مثل تيرزيباتايد (Tirzepatide)، المعروف تجاريًا باسم مونجارو.
(Mounjaro) يُعدّ من أحدث العلاجات، ويعمل على مسارين هرمونيين في آ „ن واحد، مما يجعله أكثر فعالية في:• تحسين السيطرة على السكر.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة، كتجربة SURPASS-CVOT المنشورة في مجلة نيو إنغلاند الطبية عام 2025، نتائج مؤكّ¸دة لفائدته القلبية، مع تحس „ن ملحوظ في مؤشرات فشل القلب.
مثل إمباغليفلوزين (Empagliflozin)، المعروف باسم جارديانس (Jardiance)، وداباغليفلوزين (Dapagliflozin)، المعروف باسم فورسيغا.
(Forxiga) وتُعدّ هذه الأدوية من الركائز الأساسية في علاج مرضى السكري المصحوبين بأمراض القلب أو الكلى، إذ:• تُقلّ¸ل خطر الوفاة القلبية.
• تُُ¸فّض دخول المستشفى بسبب فشل القلب بنسب تقارب.
%30• تُبطئ تدهور وظائف الكلى، حتى لدى غير المصابين بالسكري.
تحوّل مفصلي في مفهوم العلاجأهمّ ما يميّز توصيات 2026 أنّ اختيار العلاج لم يعد يعتمد على مستوى السكر فحسب، بل على تقييم شامل للخطر القلبي والكلوي، مع البدء المبكر بالعلاج الوقائي.
وهذا يمثل تحوّلًا من فلسفة «علاج المرض» إلى فلسفة «منع مضاعفاته قبل حدوثها.
»رسالة إلى المرضى والمجتمعإنّ الإصابة بالسكري واعتلال الدهون ليست نهاية المطاف، بل بداية مرحلة من الوعي الصحي والإدارة الدقيقة.
فالمتابعة المنتظمة، والالتزام بالعلاج، واتباع نمط حياة صحي، كفيلة بتقليل المضاعفات بشكل كبير وتحسين جودة الحياة.
وفي المقابل، فإنّ إهمال الفحوصات أو التوقف عن العلاج دون استشارة طبية قد يؤدي إلى مضاعفاتكان من الممكن تجنبها.
إنّ ساعة واحدة في العيادة اليوم قد تتُصر سنوات من المعاناة غداً.
صحّتك أمانة.
وقلبك لا يملك سواك حاميا.
˝.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك