لا يحتاج الكاتب والسيناريست الكبير ناصر عبدالرحمن إلى مناسبة للاحتفاء به، فهو صاحب حضور ناصع، سواء بأعماله الفنية، التي تمثل علامة مضيئة في الفن المصري، وكتاباته التي يُثري بها الوعي العام.
وتستضيف جريدة «الوطن»، برئاسة الكاتب الصحفي مصطفى عمار، السيناريست الكبير، ليس فقط لمناقشة كتابه المهم «عن الشخصية المصرية»، بل للاحتفاء بمشواره الإبداعي الطويل، وباعتباره أحد حراس الهوية المصرية، إذ لم ينفصل إبداعه يوماً عن الشخصية والهوية المصرية وقضايا المجتمع والوطن، وهموم الطبقات الكادحة والمهمشين، وتنبأ في كثير من أعماله الفنية بأحداث كبرى تعرضت لها مصر وحذر من مخاطرها قبل وقوعها.
مصطفى عمار: ناصر عبدالرحمن أصدق أبناء جيله.
وأعماله وكتاباته تترك أثراً لدى المتلقيفي البداية رحب الكاتب الصحفي مصطفى عمار، رئيس تحرير «الوطن»، بالكاتب الكبير ناصر عبدالرحمن والناشر الواعي محمد إبراهيم طعيمة، وقال: علاقتي بناصر أعتبرها من هدايا القدر لي، ونرتبط بعلاقة إنسانية وعلاقة صداقة عميقة جداً، وكان من أوائل من حرصت على ضمهم لكُتاب «الوطن»، وبالفعل تم ذلك، ونشر سلسلة مقالات عن الشخصية المصرية، التي شكلت غالبية مقالات كتابه الجديد.
وأضاف «عمار»: ناصر عبدالرحمن يعدّ أحد حراس الهوية والفن المصري في كل ما يكتبه وما يطرحه من أفكار في أفلامه، ومنح الفن المصري قيمة ورونقاً وحضوراً ومسئولية، والتاريخ سيقف أمام تجربته بالتقييم والتقدير، مثلما نقف أمام تجارب الأستاذ وحيد حامد والأستاذ محمد جلال عبدالقوى والأستاذ محسن زايد وغيرهم.
ناصر عبدالرحمن أيضاً حجز مكانة مميزة جداً لنفسه في الفن والأدب المصري.
وأوضح رئيس تحرير «الوطن» أن «ناصر» مهتم بتفاصيل الشارع المصري في أفلامه، وأبطاله دايماً طالعين من وسط الناس والواقع والحواديت الشعبية، ولا يقدم فناً لفئة معينة من الجمهور، لذلك يقع الجمهور في غرامه، وكان بديهياً أن يأتي كتاب ناصر الجديد متكاملاً، وتصدر منه طبعة ثانية، وسيكون له جزء ثانٍ أيضاً، والشريك في هذا النجاح هو الناشر الزميل والصديق محمد إبراهيم طعيمة، الذي يقدر الثقافة والإبداع، وبذل مجهوداً كبيراً لتقديم أعمال فكرية وإبداعية متميزة، عبر دار حابى للنشر التي يديرها.
وتابع «عمار» قائلاً: ناصر عبدالرحمن من أصدق أبناء جيله، غير قابل للمساومة، وأعماله قليلة نظراً لظروف السوق، لكنها تترك بصمة وأثراً كبيراً جداً في المتلقي، ونحن محظوظون أن مصر فيها نموذج مثل ناصر عبدالرحمن.
محمد الباز: يتعامل مع «الشخصية المصرية» «بعبلها» وبواقعية وكتابه عنها ليس بعيداً عن أعماله الفنيةوقال الدكتور محمد الباز، رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة الدستور، خلال مشاركته في الندوة: سعيد جداً بحضور الندوة ومناقشة هذا الكتاب للمبدع الكبير والصديق العزيز ناصر عبدالرحمن، لأني التقيت به كثيراً جداً عبر أعماله، لكن لم تجمعنا جلسات نقاش من قبل، أنا أعتبر أن النقاش مع المبدع، عبر كتاباته ومقالاته وأعماله الفنية، حوار ثري وشيق جداً.
وعندما أتحدث عن تجربة ناصر عبدالرحمن أعتبره نسقاً ونسيجاً ووحدة واحدة، سواء في كتبه أو أفلامه السينمائية أو مسلسلات الدراما التليفزيونية.
هو لا يكذب ولا يتجمل بل يتفاعل مع ما يريد أن يقوله بعفوية شديدة جداً، وهذا مصدر الصدق الأكبر والتدفق والعفوية فيما يقدمه أو ما يدعوه ناصر عبدالرحمن.
وكتاب «عن الشخصية المصرية» ليس بعيداً عن أعماله الفنية.
هو يتعامل مع الشخصية المصرية بعبلها، لا يزينها أو يحاول أن يرسم لها صورة غير واقعية.
وأضاف «الباز»: الشخصية المصرية بالنسبة لي «شخصية معجزة» وليست «ملغزة» فحسب، وسر الإعجاز فيها قدرتها على الاستمرار والمقاومة رغم كل ما تعرضت له عبر العصور، لدرجة أن فيه موجات كثيرة جداً سواء استعمارية أو ثقافية أو حتى دينية حاولت تمحو وتسحق هذه الشخصية دون جدوى.
الاهتمام بالشخصية المصرية يُحسب لناصر عبدالرحمن، بحسب «الباز»، مضيفاً أنه حدث نوع من الانقطاع في الكتابات عنها، سواء على مستوى الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس والكتاب، حتى الصحفيين حصل لديهم انقطاع لفترة طويلة جداً، وأتذكر أن آخر من اهتم بالكتابة عن الشخصية المصرية وتحولاتها وتقلباتها وتغيراتها كان الدكتور جلال أمين، وهو كان يكتب من منطقته بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع كثير مما قاله.
واختتم «الباز» حديثه بالقول: أهمية ما تناوله ناصر عبدالرحمن عن الشخصية المصرية أنه كتب عن الشخصية التي يراها بعينه، ويحتك بها ويعيش معها في الشارع ويجلس معها على المقهى ويحتك بها في العمل، لذلك هذه التجربة مهمة، ونحن نحتاج إلى مزيد من تأمل الشخصية المصرية.
أحمد عاطف: تُحسب له جرأته في التصدي للكتابة عن الشخصية المصرية والتعامل معها ككنز يفيض بالأسرار دوماًوتحدث أحمد عاطف عن ناصر عبدالرحمن قائلاً: هو واحد من كتاب السيناريست القلائل، الذين حرصوا على أن يكون لهم أثر باق في صورة أعمال فكرية وكُتب، لتكون منارة للأجيال تسترشد بها في قراءة واقعها واستشراف مستقبلها.
وهناك إشادة واجبة للكاتب لاختياره محور «الشخصية المصرية» موضوعاً لكتابه الصادر عن دار «حابي» للنشر، ويتضمن عشرات المقالات التي نُشر معظمها مسلسلاً في جريدة «الوطن»، وذلك رغم صعوبة تناول الشخصية المصرية بالتحليل والنقد ورصد تطورها عبر السنين، نظراً لثرائها التاريخي والحضاري.
وأضاف «عاطف» أنه يُحسب لناصر عبدالرحمن جرأته في التصدي للكتابة عن الشخصية المصرية، التي سبق أن تصدى لها مفكرون كبار، أبرزهم الدكتور جمال حمدان بكتابات ومؤلفات رائدة، تجعل من الصعب تقديم إضافة جديدة، لكن ناصر عبدالرحمن لم يحسب الأمر هكذا، واعتبر أن التنوير على الشخصية المصرية ودراستها واجب كل مفكر وكاتب مهموم بقضايا الوطن، والأدوار في هذا السياق تتكامل ولا تتصادم ليكون لدينا دوماً قراءة جديدة ومتنوعة للشخصية المصرية، وسماتها وتطورها والتغيرات التي تطرأ عليها، فضلاً عن أن الشخصية المصرية مهما كُتب عنها من تحليلات وتنظيرات عميقة ستظل تفيض بما لديها من أسرار لا تنتهي.
وفي بداية حديثه في ندوة «الوطن»، قال الكاتب ناصر عبدالرحمن: أنا رحبت بكتابة مقال في «الوطن» تلبية لدعوة الصديق مصطفى عمار، وبحكم علاقتنا الإنسانية الكبيرة، والحمد لله ربنا وفقني في كتابة مقالات الشخصية المصرية، التي جمعتها في الكتاب مع مقالات أخرى في نفس الموضوع.
وسعيد بوجودي في «الوطن» لمناقشة الكتاب، لأن هذه الجريدة شريكة بكل تأكيد في هذا المشروع وفي أي نجاح ممكن يحققه.
ووجه أحمد عاطف حديثه إلى السيناريست ناصر عبدالرحمن، حول كتاب «عن الشخصية المصرية» قائلاً: لفت نظري أحد مقالاتك في الكتاب بعنوان «الخزان»، وأعتبره من أهم هذه المقالات، لأنه لخص ببراعة جوهر الشخصية المصرية، التي تختزن كل القيم التي تراكمها عبر التاريخ وتستدعيها في الوقت المناسب، وهذا هو ما حمى مصر في أوقات كثيرة، ويجعلنا أيضاً مطمئنين عليها في المستقبل، لأنه لولا هذه القيم التي يختزنها الشعب المصري في وعيه الجمعي وهويته الثقافية وقوته الناعمة لكان في مهب الريح.
ونحن نرى ما يحدث اليوم في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط شراسة الحروب التي تستهدف إبادة شعوب، وإنهاء حضارات وتدمير مجتمعات، وهذا اختبار حي لصلابة الشعوب وأصالة الحضارات، ومعيار للأوزان النسبية للشعوب وللحضارات «مين اللي باقي ومين اللي بنفخة هوا بيطير».
نريد اليوم أن نتعرف من الكاتب ناصر عبدالرحمن على بدايات تجربته مع الكتابة وانبهاره بالشخصية المصرية؟وأجاب ناصر عبدالرحمن مُستدعياً صفحات من ذاكرته وجذوره في صعيد مصر، وقال: أعترف أن كل ما حصل لي في مشواري مع الكتابة كان بسبب «جواب» كنت بكتبه لستي أو لأبويا، لأنهما لم يكونا يعرفان الكتابة، وكنت أفعل ذلك أسبوعياً، دي كانت البوابة الحقيقية التي أدخلتني عالم الخيال والإبداع.
كنت أكتب هذه الجوابات وأنا صغير في المرحلة الابتدائية بقلم «كوبية» لا يمكن محوه، وكان لازم نعتني بالورق ويكون مظهره جيد، وكانت هذه تحضيرات قاسية، والأصعب منها أن اللكنة التي أكتب بها الجواب لجدتي شديدة الصعوبة، والتعامل معها يكاد يكون معجزة، يعني لازم أفكك كلام جدتي وأحوله لكلام ينفع أكتبه، وبعد الكتابة كنت أذهب لمشوار البوستة لإيداع الجواب، وفي مرات أخرى كنت أذهب لإرسال «تلغراف»، وكانت تبهرني قدرة عامل التلغراف على تكثيف واختزال المعنى الذي نريد توصيله في التلغراف، بعد سماع كل ما يريد المرسل أن يقوله، واستمر ذلك لسنوات طويلة، وعلمتني هذه التجربة مهارة «المرونة» في الكتابة، وساعدتني أن أفهم أن الناس والوطن عبارة عن ذاكرة.
وهنا استوقف أحمد عاطف الكاتب ناصر عبدالرحمن قائلاً: مهم جداً أن نتوقف عند هذا التعبير المهم، «الناس والوطن عبارة عن ذاكرة» ونقدم له شرحاً وافياً.
وقال ناصر عبدالرحمن: بالفعل.
مصر عبارة عن ذاكرة حية، لذلك أي «حد» أو جهة أو بلد يريد استهداف مصر بسوء يبدأ أولاً بالحرب على الذاكرة، لأنها مصدر الغيرة والحقد والعداء لمصر، والمعتدي يريد محو هذه الذاكرة أو على الأقل يشاركك فيها أو يهز ذاكرتك، ويُشعر الجيل الجديد للمصريين أنه نجح في تزوير النماذج المصرية الحاملة لذاكرة البلد.
على سبيل المثال لما يتم الترويج أن زعيماً وطنياً معيناً كان لاعب قمار، أو أن حرب 6 أكتوبر تمت في 6 ساعات، هذا كلام خادع ومزور وتافه ودخيل على سيرة هذا الزعيم، وكلنا نعرف أن حرب أكتوبر استغرقت 6 سنوات.
صلاح البلك: نبوءاته في أعماله تحققت.
وتراجعتُ عن مقال لي بعد مشاهدة «هي فوضى» لأنه عبر عما أريدهوانتقل الحديث إلى الكاتب الصحفي صلاح البلك، وذكر أنه يحتفظ بذكرى خاصة مع الكاتب ناصر عبدالرحمن، وقال: في يوم ما قبل 2011 كنت بصدد كتابة مقال وتصادف إني شاهدت فيلم «هي فوضى» قبل أن أشرع في الكتابة، فحسيت إني «مش لازم أكتب المقال لأن كل اللي أنا عايز أقوله الفيلم قاله»، وعلى المدى البعيد ثبتت صحة تقديري للفيلم وما حمله من أفكار ونبوءات.
وسؤالي لناصر عبدالرحمن هو عن قدرة الثقافة المصرية بوضعها الحالي، من سينما وتليفزيون وصحافة وإبداع، على أنها تؤهل الشخصية المصرية للدفاع عن ثوابتها وهويتها؟وأجاب ناصر عبدالرحمن عن هذا التساؤل قائلاً: الكُتاب والمثقفون وصناع السينما وغيرهم، أعمالهم قائمة على الذاكرة الخاصة بهم وذاكرة الشخصية المصرية عموماً.
لكن هناك أمرين مهمين يسيطران على المشهد الآن، الأول هو: السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي، ويجب على المثقف والمبدع أن يعي خطورة هذه الأدوات، لأنها تسابق الإبداع البشري، الرسم والكتابة والتصوير والإخراج وغيره يمكن اليوم تقديمه بالذكاء الاصطناعي، وتساهم في قتل الإبداع، لكن الفرق الكبير الذي يجب أن نعيه هو أن الذكاء الاصطناعي ليس خطراً على الإبداع الحقيقي، لأنه قائم على الماضي وما يتم تغذيته به من أفكار وبيانات، لكن الإبداع البشري عبقري وقائم على الخيال واستشراف المستقبل.
فيه آية قرآنية كريمة تقول «أتى أمر الله فلا تستعجلوه».
يعني كل واحد فينا له أقدار إلهية محددة، لكن سيراها في موعدها، لأن ربنا خلق الإنسان وعارف إنه لن يحتمل أن يرى أقداره كلها بعينه أو يطلع عليها قبل حدوثها، لأنه هيتصدم منها، سواء كانت مفرحة أو محزنة، وربنا وضع ستائر داخل الإنسان ليحجب عنه هذه الأقدار، ويراها بالتدريج أو في أوقات معينة، حسب مشيئة المولى عز وجل، لكن المبدع هو الشخص الوحيد القادر على استشراف المستقبل ووضع سيناريوهات لتطور الأحداث والشخصيات في أعماله.
من هنا الإنسان سابق الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا بكثير.
وتحدثت الكاتبة الصحفية هبة أمين لتفتح ملفاً في غاية الخطورة هو «ورش كتابة السيناريو»، التي تفشت في الوسط الفني، ويعتمد عليها معظم الأعمال الفنية، سواء كانت درامية أو سينمائية، وطلبت من الكاتب عرض وجهة نظره في هذه الورش، وتساءلت: ما الفرق بين الكتابة المشتركة وورش الكتابة، خاصة أن أعمالاً تاريخية كبرى شهدت مشاركة أكثر من كاتب في عمل واحد، وهو ما يقترب من فكرة الورشة؟وقال ناصر عبدالرحمن: ورشة الكتابة هي من اختراع ناقد وكاتب راحل، تعلمنا منه الكثير، وكان يضم فيها عناصر جيدة، لكن على استحياء، لكن اليوم الأمر أصبح ممنهجاً ومختلفاً، لكن الكتابة المشتركة لا تعني ورشة على الإطلاق، وهناك فارق كبير بين الطريقتين.
الورشة لها قائد، ومعه 5 كتاب، كل منهم يكتب الخط المطلوب منه، لكن في الكتابة المشتركة، فيها قامات، كاتب يتولى مهمة الحوار وآخر يكتب القصة وآخر يكتب السيناريو.
والكل يكمل بعضه، ونقول لهم برافو في النهاية.
حتى فكرة الكتابة المشتركة لم تعد موجودة أمام طوفان الورش.
وأضاف ناصر عبدالرحمن: فيه مسلسلات كثيرة اعتمدت على الورش وفشلت، رغم إن إنتاجها تكلف ملايين، وأهم أسباب الفشل إن من يدير الورشة ليس سيناريست، وأي حد مشارك في الورشة يقول له أي حاجة تعجبه يكتبها، فوجهة النظر والرؤية تائهة وغير موجودة، والأهم أن الورش تسببت في انعدام الثقة في الكاتب أو في شُغل «الهاند ميد».
وبدوره توجه الصحفي ياسر الشيمي بسؤالين للكاتب ناصر عبدالرحمن، الأول عن الخط الواصل بين جذوره في «الكوامل» بمحافظة سوهاج ونشأته في «روض الفرج» بشبرا؟ والثاني: هل تتفق مع رأي بعض النقاد الذين يقولون إن فيلم «كف القمر» وصل لمرحلة الكمال الفني؟وأجاب ناصر عبدالرحمن، قائلاً: فيه حاجة ربانية حصلت لي.
هي إن العشرة أفلام المعروفين لي، أولهم من حيث الأحداث الحقيقية الواردة به هو «كف القمر»، وفيه نزلت «عائلة عجاج» من الصعيد لمصر، بينما فيلم «المدينة» سنة 1999 وهو أول فيلم لي، كان فيه حياة الجدود في القاهرة، وكأنه حصل «فلاش باك» للأحداث، من خلال ترتيب الأفلام.
جدودي 5 «عبدالرحمن وعبدالغفار وحمدان وحامد ومحمود» نزلوا من سوهاج بسبب الفقر الشديد في قرية «الكوامل بحري» وقتها، وكانت عصبية جداً في فترة الثلاثينات ونزلوا القاهرة سكنوا في روض الفرج، واكتشفوا إنها مدينة صغيرة تحاكي الكوامل بالضبط، بأفراحها ومآتمها وضحكها وسهرها وشغلها وأخلاقها وناسها وتعاملاتهم في الحياة والتجارة، ومن خلال مثل هذه الهجرات من الصعيد للقاهرة، تم «ترييف المدينة» وهذا المخزون هو ما أتناوله في أعمالي.
وأثناء هذه الحياة الجديدة، بعض الجنوبيين تسقط منهم بعض القيم والعادات الأصيلة في المدينة، ويخونون جذورهم، وفي أحيان أخرى يفرضون على المدينة عاداتهم وجذورهم، والقاعدة هنا أن «الشخص اللي له أصل لازم يدور على أصله، لكن اللي مالوش أصل هيدور على مين».
أمريكا عُمرها كله 50 سنة، يعني عُمر 6 جدود بالنسبة لنا، والسابع قد يكون أيرلندياً أو أفريقياً مثلاً.
لذلك الأمريكان لديهم حقد دفين لأصحاب الحضارات وأصحاب الذاكرة والهوية، لأن أمريكا مجتمع بلا ذاكرة وبلا حضارة، لذلك اخترعوا السينما لكي تكون جزءاً من حضارتهم وتاريخهم، يعني الأمريكاني يصنع أفلاماً عن حضارة مصر القديمة، ليكون شريكاً بما يريد أن يدسه على هذه الحضارة في رواية تاريخها.
هذا الحقد على الحضارة المصرية حقد على الذاكرة المصرية، من مجتمعات بلا ذاكرة، والمثل الشعبي عندنا يقول «اللي مالوش كبير يشترى له كبير، إحنا عندنا بدل الكبير 5، هم بيخترعوا الكبير، زي اختراع السينما كده».
الكاتب ناصر عبدالرحمن من مواليد 7 ديسمبر 1970، في روض الفرج بالقاهرة، وتخرج في المعهد العالي للسينما قسم سيناريو، وبدأ حياته المهنية بفيلم المدينة عام 1999، وقدم مع المخرج الكبير يوسف شاهين فيلم هي فوضى.
ومن أبرز أفلامه حين ميسرة، وكف القمر، وجرانيتا، والغابة، وجنينة الأسماك، ومن أبرز مسلسلاته أرض النعام، وجبل الحلال، وستهم، ومن أبرز مؤلفاته: عن الشخصية المصرية، والولد سر أبيه، وصباح العاشقين، وآخر نفس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك