يعود المخرج البولندي الكبير بافل بافليكوفسكي إلى مهرجان كان السينمائي الدولي من خلال فيلمه “فاذرلاند” (الوطن)، الذي صُوّر في بولندا ويمثل ألمانيا ما بعد الحرب، من خلال حكاية روائي حاصل على جائزة نوبل تحت وطأة الحرب العالمية الثانية.
تدور أحداث الفيلم عام 1949، وهو أشبه بفيلم رحلات، يروي قصة الكاتب الألماني توماس مان وابنته إريكا، وهما يسافران بسيارة بويك عبر ألمانيا المدمرة بعد الحرب، من فرانكفورت غرباً إلى فايمار شرقاً، في رحلة مشبعة بالحكايات، وتمزج بين ألم المبدع الأديب والشعارات التي تزدهر في زمن الحرب والهزائم.
تحقق النجمة الألمانية القديرة ساندرا هولر حضوراً لافتاً في عملها الجديد، وهنا نتساءل: هل يوجد ممثل أفضل في العالم الآن من ساندرا هولر؟ لقد حققت النجمة الألمانية نجاحاً باهراً بأدائها المذهل في فيلم “توني إردمان” (2016)، وارتقت إلى مستوى أعلى من الفن من خلال أدائها الرائع في فيلمي “تشريح السقوط” و*“منطقة الاهتمام”*، وكلاهما عُرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2023.
وفاز فيلمها “تشريح السقوط” بجائزة السعفة الذهبية العام الماضي، ما يجعل حضورها حالة من الترقب والاهتمام والمتابعة.
تُقدّم هولر أداءً رائعاً مجدداً في فيلم “فاذرلاند” (الوطن)، حيث تُتقن نظرة تتراوح بين الشفقة والازدراء العميق، بينما تعود إريكا مان، الكاتبة والممثلة المسرحية والناشطة المناهضة للنازية، إلى أنقاض ألمانيا برفقة والدها، الكاتب الحائز على جائزة نوبل توماس مان.
إنه فيلم درامي شعري آخر، متعدد الطبقات، من إخراج المخرج البولندي المبدع بافل بافليكوفسكي، الذي يختتم بعد فيلمي “Ida” و*“Cold War”* ثلاثية غير مترابطة من الأفلام التي تُصوّر الفوضى و“الارتباك الأخلاقي” الذي ساد أوروبا ما بعد الحرب ببراعة فائقة.
تتطور الأحداث الدرامية عام 1949، عندما سافر مان إلى ألمانيا من منفاه في الولايات المتحدة لتسلّم جائزة بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوته.
كانت ألمانيا الشرقية والغربية قد قُسّمت على يد الحلفاء، وفي خضم تصاعد توترات الحرب الباردة، يُلقي الكاتب خطابات في كلتيهما ليؤكد وحدة الثقافة الألمانية في هذا المشهد المنقسم حديثاً.
لكن قبل ذلك، يُقدّم لنا بافليكوفسكي مقدمة: ابن مان، كلاوس (أوغست ديل)، في حالة يُرثى لها على ما يبدو، يتحدث إلى إريكا عبر الهاتف، ويشكو بمرارة لأخته قائلاً: “لقد دمروا كل شيء، والآن يريدونه أن يُريح ضمائرهم”.
تُجسّد هولر شخصية إريكا بنظرة ثاقبة حادة، وهي تشك أيضاً في أن الزيارة فكرة سيئة للغاية، لكنها توافق على مرافقة والدها دعماً له، مما يُمهّد لرحلة برية بين ألمانيا الغربية والشرقية، تتداخل فيها صدمات العائلة والوطن.
(في هذا الجانب على الأقل، فيلم بافليكوفسكي خيالي تماماً؛ فقد كانت الرحلة مصدر خلاف حاد بينهما في الواقع، ورفضت إريكا حضورها).
استُقبل خطاب الكاتب في فرانكفورت بتصفيق حار، لكن نظرة سريعة على الحضور كشفت عن صورة مقلقة، إذ امتلأت الاحتفالات بشخصيات مرموقة متورطة في جرائم النازيين.
وفي لحظة مؤثرة، تجاهل توماس أحفاد فاغنر، فولفغانغ وويلاند، اللذين توسلا إليه للمساعدة في استعادة سمعة الملحن من خلال الضغط من أجل عودة مهرجان بايرويت، فأجابهم باقتضاب أن والدتهم يجب أن تُحاكم في لاهاي.
يقدّم هانز زيشلر، نجم السينما الألمانية الجديدة بفضل عمله مع ويم فيندرز، أداءً رائعاً في دور توماس، حيث يتحول إيمانه الراسخ بأهمية الرحلة إلى شك مع تطور الأحداث.
لكن في النهاية، الفيلم يدور حول إريكا.
ندعى لرؤية الأحداث من خلال عينيها، ونشعر باشمئزازها وهي تتفحص الحشد، بينما تقول لصديق صحفي: “تخيل فقط ما كانوا يفعلونه قبل خمس سنوات”.
يصل نفاد صبرها من الرحلة إلى ذروته مع خبر عائلي مفجع يكشف عن برود والدها تجاه القضايا الأكثر أهمية بالنسبة لهم، فتوبخه إريكا على غطرسته في “حكمته الأولمبية وعباراته الأنيقة”.
هناك تاريخ أيضاً، لم يُلمح إليه فيلم بافليكوفسكي إلا تلميحاً، مصوّراً ببراعة بأسلوب أكاديمي، وبالتصوير بالأبيض والأسود الذي استخدمه المصوّر السينمائي لوكاس زال في “إيدا” و*“الحرب الباردة”*.
إريكا، وهي امرأة بوهيمية من عصر فايمار، كرّست إبداعها لانخراط سياسي حاد، هي من شجعت توماس، عندما انتقل إلى الولايات المتحدة مع بداية الحرب، على بث خطابات للشعب الألماني عبر إذاعة بي بي سي.
توماس، رغم كراهيته المعلنة للنازيين، لا يزال متمسكاً بفكرة وجود شيء نبيل متأصل في “الروح” الألمانية، أما إريكا فلا ترى سوى الرعب.
يبدو أن بافليكوفسكي يُعجب أكثر بالتزامها، وهو جوهر هذا الفيلم وروحه، كدراما عائلية مؤثرة واستكشاف في وقته المناسب للعلاقة المتوترة بين الفن والسياسة.
فيلم كبير لمخرج كبير، يعزف على إيقاع سطوة الحرب وتداعياتها على الأدب والثقافة بشكل عام.
ضغوط يحاول مواجهتها الأدب الألماني وابنته الأديبة والكاتبة عبر رحلة طويلة تخترق ألمانيا إثر نهاية الحرب العالمية.
من خلال لغة سينمائية ثرية بالحلول وعامرة بالاشتغالات السينمائية الكبرى.
مجدداً تدهشنا ساندرا هولر، لتؤكد علو كعبها في فيلم يقول الكثير بلا تكلف.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك