حين كانت المصارف التقليدية تنشغل ببيروقراطية الإجراءات، كان مهندسو البرمجيات في ملاعب التكنولوجيا المالية يبنون نظامًا ماليًا موازيًا، أسرع، وأكثر ذكاءً، وفي العام الجاري 2026، لم يعد السؤال هل سينجح الفنتك؟ بل من سيصمد من البنوك القديمة أمام هذا الزحف؟
في الواقع لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن مشهد أوسع يعاد تشكيله على مستوى القمة؛ إذ تقود اليوم أكبر 10 كيانات تقنية ومالية في العالم عملية إعادة صياغة شاملة للهندسة الاقتصادية العالمية.
هذه الكيانات لم تعد مجرد شركات تقدم خدمات رقمية أو حلول دفع، بل تحولت إلى مراكز ثقل تفرض إيقاعها على الأسواق، وتعيد تعريف مفهوم الوساطة المالية نفسه، فهي التي تضع المعايير الجديدة للتعاملات، وتتحكم في تدفقات البيانات التي باتت المحرك الحقيقي للمال، وتدفع البنوك التقليدية إلى إعادة تموضعها داخل منظومة باتت تُدار بمنطق المنصات لا الفروع.
سيادة “فيزا” وابتكارات “تنسنت”تتربع شركة (Visa) على قمة الهرم المالي بقيمة سوقية تلامس 700 مليار دولار، لكنها اليوم ليست مجرد شركة بطاقات ائتمانية؛ بل تحولت إلى “سوبر بروتوكول” يربط العملات المشفرة والعملات التقليدية والمدفوعات اللحظية في شبكة واحدة فائقة السرعة، وفي المقابل نجد مجموعة “تنسنت” (Tencent) الصينية التي تجاوزت مفهوم الدفع لتصبح “نظام حياة” متكامل عبر (WeChat Pay)، حيث تدير تدفقات مالية ضخمة تشمل الإقراض، التأمين والاستثمار، ما يجعلها القوة الضاربة في الاقتصاد الرقمي الآسيوي.
“ماستركارد” و“إنتويت” في قلب التحولكذلك اختارت (Mastercard) أن تكون صمام الأمان للنظام المالي الجديد، حيث استثمرت مليارات الدولارات في تقنيات الأمن السيبراني المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي للتنبؤ بعمليات الاحتيال قبل وقوعها.
وعلى جبهة إدارة الأعمال نجد شركة “إنتويت” (Intuit) التي أحدثت ثورة في تمكين الشركات الصغيرة؛ فهي لا تقدم برمجيات محاسبية فحسب، بل باتت تستخدم البيانات الضخمة لمنح قروض فورية للشركات بناءً على تدفقاتها النقدية الحقيقية، متجاوزة بذلك معايير الائتمان البنكية التقليدية.
منصات التغيير الشامل من “سترايب” إلى “باي بال”لا يمكن الحديث عن اقتصاد الإنترنت دون ذكر (Stripe)، الشركة التي أصبحت البنية التحتية الصامتة لنصف تجارة الويب العالمية، حيث توفر أدوات تمكن أي رائد أعمال من بدء قبول المدفوعات في دقائق، وفي الوقت نفسه، تحافظ (PayPal) على مكانتها كجسر ثقة بين المستهلك والتاجر، مع تحديث استراتيجي في 2026 ركز على دمج المحافظ الرقمية بالهوية البيومترية، وهذا ما جعل من عملية الدفع بلمسة إصبع أو مسح للوجه هو المعيار الجديد.
عمالقة “النيوبنكس” والحدود الرقميةفي أسواق النمو تبرز مجموعة “أنت جروب” (Ant Group) كنموذج فريد في التمويل الجماعي وإدارة الثروات، موفرةً وصولاً ماليًّا لملايين الأشخاص الذين لم تكن البنوك تعترف بهم سابقاً وبالمثل حقق (Nubank) البرازيلي معجزة مصرفية في أمريكا اللاتينية عبر تقديم تجربة مستخدم خالية من الرسوم، وهذا ما أجبر البنوك التقليدية في المنطقة على إعادة التفكير في نماذج عملها.
وفي القارة العجوز، يواصل بنك “ريفولوت” (Revolut) التوسع كأول “بنك عالمي بلا حدود”، محطمًا قيود صرف العملات وتكاليف التحويل الدولي، و تأتي شركة (Ripple) لتضع اللمسات الأخيرة على نظام التحويلات العابرة للقارات عبر “البلوك شين”، وهذا ما يجعل تحويل الأموال بين نيويورك وطوكيو يتم في ثوانٍ معدودة وبكسور من التكلفة الحالية.
يشير هذا التوسع الهائل لشركات التكنولوجيا المالية إلى أن المستقبل “رقمي بامتياز”، فهذه الشركات العشر لا تدير الأموال فحسب، بل تدير “البيانات” التي هي نفط القرن الحادي والعشرين، ومع تزايد الاندماج بين الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية، يبدو أن دور البنوك التقليدية سيقتصر في المستقبل على كونها “خزائن خلفية” للسيولة، بينما ستمتلك شركات التقنية “العلاقة مع العميل”.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك