جاء إجراء ما يسمى بإحياء ذكرى النكبة كمناسبة وطنية مأساوية، في عام 1998 وذلك في الذكرى الخمسين لنكبة تم تعيينها زمنياً وتاريخياً في الخامس عشر من أيار/مايو 1948.
حيث أقيمت فعاليات موحدة في أنحاء المناطق التي كانت خاضعة لسيادة السلطة الفلسطينية حينذاك، ليجري في ما بعد انتهاج إجراءات هذا الإحياء في كل عام ضمن سلسلة من الفعاليات والأنشطة، التي وإن كانت تتردد في أرجائها أصداء الذاكرة وأسماء وأطلال القرى والمدن المنكوبة، وتلاوة أكبر قدر ممكن من أسماء وأحداث المذابح التي اقترفتها العصابات الصهيونية الاستعمارية بحق الشعب الفلسطيني، إلاّ أن إضفاء البعد الطقوسي والإحيائي للنكبة أحالها من حدث تاريخي مؤسس للمعاناة ومستمر وباقٍ وزاحف، إلى مجرد ذكرى لا أريد أن أقول إنها عابرة، ولكنها باتت بهذا المعنى مجرد ذكرى تاريخية منفصلة، أو جرى فصلها عن تداعياتها وإفرازاتها الزمكانية والإنسانية.
ومن هنا فإن النكبة ليست ذكرى، بل ذاكرة، وليست طقساً نحييه، بل صيرورة نحيا بها، وفعالية مقيمة ومستمرة وناشطة في دفقاتها الزمنية التي تأبى الانفصال عن اللحظة، والتيار الزمني للنكبة، كتيار لا يتحدد بأبعاد طبيعية وتاريخية متأسسة على ماضٍ وحاضر ومستقبل، فلا لحظة للنكبة سوى هنا والآن، وهذه الإقامة فيها لا يمكن صهرها وتسييلها بمجرد إحياء ذكرى.
إن النكبة تغدو مجرد كارثة طبيعية أو بيئية، إن لم تجر موضعتها داخل سياق نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، كحدث مؤسس للتشوه من جهة، ورحم كولونيالية مختلة أنجبت بدورها كائنات كولونيالية مسخة ومشوهة، رسّخت مكونات وعناصر المعادلة الكولونيالية الرهيبة: كائن كولونيالي مسيطر مقابل كائن كولونيالي خاضع، وفي خضم تعزيز وانتشار هذه المعادلة من جانب الصهيوني المهيمن، يجري اعتماد السياسات الحيوية التي تتراوح ما بين الخشونة والنعومة، في استهداف الوجود الفلسطيني، بدءاً من التطهير العرقي والترانسفير القسري، وليس انتهاء بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية.
وهذه السياسات ليس ثمة تاريخ انتهاء صلاحية لها، كما هي أيضاً إجراءاتها لا حدود لها، وبالتالي ليس هناك انفصال واع وتاريخي حقيقي عن النكبة كصيرورة بائدة، بل هناك تعامل وقراءة ملتبسان من قبل الفلسطيني أدى إلى انفصال طقوسي وهمي عن النكبة كاستمرارية، بالإضافة إلى عدم قراءتها كولونيالياً، سواءً بالبرامج والرؤى السياسية، أو في الصورة العامة للأدب الفلسطيني والعربي عموماً.
والنكبة لا يمكن اختزالها وتكثيفها في مجازر النكبة المغلفة بمجزرة دير ياسين الرهيبة كسردية دموية جرى تزمينها فلسطينياً، وتعليقها في سماء المتحف، إذ إن الوعي الصهيوني الخاص بالمذبحة، لم ينفصل عنها ولم يقم بإزالتها عن متن سرديته ومفهوميته الشاملة الخاصة بإقصاء وتفكيك إنسانية الفلسطيني، أي أن ما جرى ويجري في غزة لم يكن رد فعل همجي وعاصف وسريع، بل استمرارية والسعي نحو استكمال وإنجاز مشروع إبادة الشعب الفلسطيني، وهنا يا للحسرة تكمن المفارقة الفظيعة، حين ندرك أن الصهيوني هو وحده من يدرك أن النكبة لم تنفصل عن سياق إبادته، ولهذا فهو يتعامل مع وجوده الممعن بالإبادة على أنه وجود لا يخلق سوى النكبة، نكبة مستمرة وآنية لا انفصال فيها عن راهنيتها، فلحظة دير ياسين لم تمضِ لتصير تاريخاً، بل هي لحظة حيوية يستمد منها الصهيوني المستعمر القدرة على بلورة استنتاجاته وأنماطه التفكيرية والعقلية على مستوى الوعي بالإبادة وتعميقها ونشرها.
أما الفلسطيني ككائن مسخ ومشوه، وُلد من رحم النكبة الكولونيالية، فهو ماهية ليست تاريخية ولا زمنية، بل لحظية أيضاً، ولكن بمعان أخرى، من أهمها النزع الصهيوني النكبوي لزمن الفلسطيني، وإبعاده عن الزمن التاريخي، ليصبح مجرد كائن أو زومبي تاريخي مصاب بالتباسات عميقة أدت في لحظة معينة إلى تعامله مع نكبته الحية والحيوية على أنها حدث تاريخي منفصل عن الحاضر، يتوجب زجّها في المتحف.
والمتحف في هذه الحالة يُعبّر عن العنف التاريخي والزمني المنظم والمختلق ضد الوعي الجمعي الفلسطيني، الذي ما زال يعاني من تأثيرات وسياسات النكبة الصهيونية، والمتحف أيضاً تجلٍ مخيف لكيفية قراءة الفلسطيني لنكبته كلقى ومكتشفات آثارية، وليس كمواقع إبادية حية وشمولية.
وليس ثمة فرق ما بين إحياء ذكرى النكبة وبين المتحف، فهما يلتقيان في تصنيع الوعي التاريخي الزائف والوهمي، الذي يرمي إلى متحفة معاناة الفلسطيني والاقتصار على الفُرجة الميلودرامية للذكرى.
وعليه وحده من ينعتق من أسباب وعلات معاناته ونكبته القادر على تشييد متحفه فوق أنقاض نكبته البائدة، التي يمكنه في أجوائها أن يمتلك ترف إيقاد الشموع وإطلاق البالونات السوداء في سماء الوطن المحرر، وإجراء تلاوة طقوسية لسردية النكبة كحدث مضى وذكرى باقية في العقول والقلوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك