بدأت معالم ضغوط ائتمانية ملموسة تلوح في أفق النظام المصرفي لدول مجلس التعاون الخليجي، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى تعطّل ممرات التجارة والطاقة الحيوية، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، الذي ألقى بظلاله على آفاق النمو الاقتصادي غير النفطي، مسلطاً الضوء على خطر" عدوى التعثّر" الناتجة عن تداعيات الحرب، إذ يؤدي تأخّر المدفوعات الحكومية للمقاولين، وتوقف قطاع السياحة، إلى زيادة القروض المتعثرة.
وتشير التقديرات الائتمانية الحديثة إلى أن خطر" عدوى التعثر" يبرز حالياً بوصفه أهم تهديد لجودة الأصول، حيث يساهم تراجع التدفقات النقدية في فرض ضغوط متزايدة على ميزانيات الشركات، ما قد يدفع معدلات القروض المتعثرة إلى الارتفاع عن مستوياتها الحالية البالغة 2.
5% لتصل إلى نحو 7% في سيناريوهات الضغط الشديد، حسبما أورد تقرير نشرته" ستاندرد آند بورز" في 16 مارس/آذار الماضي، منوهاً بأن هذا التحول يستلزم تدخلات استباقية حاسمة من البنوك المركزية لضمان عدم تحول نقص السيولة المؤقت لدى الشركات إلى حالات تعثّر دائم تهدد الاستقرار المالي الكلي.
ويمثل قطاعا السياحة والطيران، اللذان شكلا محركاً رئيسياً للتنويع الاقتصادي في دول الخليج، الجبهة الأكثر تأثراً بالنزاع الحالي، حيث تشير البيانات الرسمية إلى احتمال تراجع عدد الزوار الدوليين للمنطقة بنسبة تصل إلى 27%، ما قد يؤدي إلى خسائر في الإنفاق السياحي تقدر بنحو 56 مليار دولار.
وبالتوازي مع ذلك، يواجه قطاع الإنشاءات تحديات حادة نتيجة تأخر المدفوعات الحكومية للمقاولين، مع إعادة توجيه بعض التدفقات المالية نحو تعزيز المصدات الدفاعية، وهو ما يضع المقاولين تحت ضغط عجز السيولة اللازمة لخدمة الديون، حسبما أورد تقرير نشرته منصة معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW) المعنية بالتحليلات الاقتصادية والقطاعية، في 31 مارس/آذار الماضي، مشيراً إلى أن البيانات المالية تُظهر أن النظام المصرفي الخليجي يدخل هذه المرحلة بمصدات قوية، إلا أن استمرار الحرب يرفع من مخاطر" الارتباط المتبادل"، إذ تؤدي تعثرات الشركات الكبرى إلى سلسلة من الإخفاقات في سلاسل الإمداد.
واستجابة لهذه المخاطر، بدأت البنوك المركزية الخليجية تنفيذ إجراءات استباقية لتعزيز السيولة ومنع انكماش الائتمان، شملت قيام بنك قطر المركزي بتوفير تسهيلات" ريبو" (Repo) غير محدودة، بينما سمح مصرف الإمارات المركزي للبنوك بالوصول إلى 30% من احتياطياتها النقدية الإلزامية.
كما تضمنت السياسات خفض متطلبات نسب تغطية السيولة (LCR) وصافي التمويل المستقر (NSFR) من 100% إلى 80% في الكويت والإمارات وقطر، ما يمنح البنوك مرونة أكبر في ضخ الأموال للشركات المتضررة، حسبما أورد تقرير نشرته منصة" ألفاريز آند مارسال" (Alvarez & Marsal) المتخصصة في الاستشارات المالية وإدارة المخاطر، في 5 إبريل/نيسان الماضي، معتبراً هذه الخطوات" وقائية" بهدف طمأنة الأسواق وضمان استمرار تدفق الائتمان إلى القطاع الخاص رغم ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية المرتبطة بتداعيات الحرب.
وفي السياق، قال رئيس اتحاد مصارف الإمارات، عبد العزيز الغرير، إنه لا أساس للمخاوف من زيادة خروج رؤوس الأموال من البلاد ونقص الدولار بسبب حرب إيران، وذلك في وقت تسعى فيه الإمارات إلى إبرام اتفاق لمقايضة العملات مع الولايات المتحدة.
وأكد الغرير في مؤتمر صحافي، أول من أمس الأربعاء، عدم وجود مبرر للمخاوف بشأن خروج رؤوس الأموال، ووصف الوضع بأنه جيد بشكل عام، مع خروج بعض الأموال ودخول غيرها، حسب وكالة رويترز.
يؤكد الخبير الاقتصادي والمدير العام السابق بالبنك المركزي العراقي، محمود داغر، لـ" العربي الجديد"، أن المصارف المركزية في دول المنطقة تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في إدارة حالة عدم اليقين الكبير وتعطل الأسواق خلال الأزمات الشديدة، خاصة مع تداعيات الحرب، ما يستدعي تدخلاً حاسماً لضمان استقرار النظام المالي ومنع انهيار الثقة الاقتصادية.
ويوضح داغر أن المصارف المركزية تلعب دوراً محورياً في تحفيز القطاع المصرفي لتجنّب تأثر المواطنين سلباً بالأزمة، من خلال توفير مصادر سيولة كافية للمصارف لتمكينها من الوفاء بالتسديدات والالتزامات المالية، مع الحرص على دعم القدرة الشرائية للمواطن قدر الإمكان.
ويشير داغر إلى أن الجهود الأساسية للمصارف المركزية الخليجية في هذه المرحلة تتركز على تعزيز متانتها، وحمايتها من الصدمات الخارجية والداخلية، لضمان استمرارية العمل المصرفي، والوفاء بالالتزامات الحكومية، بما فيها التزامات المقاولين.
الإمارات الأكثر تأثراً في دول الخليج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك