يشهد عالم الروبوتات تحوّلًا متسارعًا على مستوى العالم، مع انتقال هذه التقنيات من آلات صناعية ضخمة داخل المصانع إلى أنظمة ذكية بدأت تتوسع تدريجيًا نحو الحياة اليومية وأماكن العمل، في تطور يعكس تسارع دمج الذكاء الاصطناعي بالأنظمة الميكانيكية.
ويؤكد الخبير التقني ورائد الأعمال في الذكاء الاصطناعي والروبوتات فراس سليماني لبرنامج" العربي تك" عبر شاشة" العربي2" أن مفهوم الروبوت نفسه تغيّر بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، قائلاً إن “الروبوت لم يعد يقتصر على الآلات الميكانيكية في خطوط الإنتاج، بل أصبح يشمل كل منظومة قادرة على تنفيذ مهام بشكل ذاتي أو شبه ذاتي”.
وفي موازاة هذا التحول المفاهيمي، يبرز ما بات يُعرف بـ”الذكاء المجسّد”، وهو مفهوم يقوم على دمج القدرة الحركية للآلة مع التحليل المعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي، ما أتاح ظهور جيل جديد من الروبوتات أكثر استقلالية وقدرة على التكيّف مع البيئات المختلفة.
ويشرح سليمان هذا التطور قائلاً: “الدمج بين الروبوتات والذكاء الاصطناعي هو ما أنتج الذكاء المجسّد، حيث لا تصبح الآلة مجرد منفذ أوامر، بل نظامًا قادرًا على الفهم والتفاعل واتخاذ قرارات ضمن حدود معينة”.
البرمجة أصبحت سهلة وبلغة بسيطةوعلى المستوى البرمجي، تشير التطورات الحديثة إلى انخفاض كبير في تعقيد برمجة الروبوتات مقارنة بالماضي.
فبعد أن كانت العملية تتطلب قبل نحو 25 إلى 30 عامًا كتابة آلاف الأسطر من الأكواد لتحريك أجزاء بسيطة، باتت اليوم تعتمد بشكل متزايد على أوامر باللغة الطبيعية.
ويؤكد سليمان في هذا السياق أن “البرمجة أصبحت أسهل بكثير، إذ يمكن الآن تحويل الأوامر المكتوبة باللغة اليومية إلى شيفرات تشغيل تتحكم مباشرة في الروبوت، وهو ما كان شبه مستحيل في السابق”.
ومن بين النماذج التقنية الحديثة التي تعكس هذا التحول، يبرز نظام “GROOT” الذي طورته شركة إنفيديا، والذي يسمح بتحويل التعليمات النصية إلى أوامر برمجية تتحكم بحركة الروبوت بناءً على فهمه لبنية المفاصل والقدرات الحركية.
أما على مستوى الأداء، فقد باتت بعض الروبوتات البشرية الشكل قادرة على العمل لفترات طويلة داخل بيئات صناعية دون توقف، إذ تشير بيانات تقنية إلى قدرتها على العمل ما بين 8 و12 ساعة متواصلة بدقة تتجاوز 90% في تنفيذ المهام، مع معدلات خطأ أقل في بعض الحالات مقارنة بالبشر في بيئات العمل نفسها.
ويعلّق سليمان على ذلك قائلاً: " نحن أمام أنظمة أصبحت قادرة على العمل لفترات طويلة وبكفاءة عالية، وفي بعض الحالات تتجاوز دقة الإنسان في المهام المتكررة داخل المصانع".
وفي مثال آخر على هذا التطور، تمكّنت روبوتات حديثة من خوض تجارب جري لمسافات طويلة، حيث أنهى أحد النماذج مسافة 13.
1 ميلاً في نحو 50 دقيقة، وهو رقم يقترب من أداء العدّائين البشر في المسافات نفسها، ما يعكس سرعة تطور القدرات الحركية لهذه الأنظمة.
وبينما تتوسع استخدامات الروبوتات في مجالات مدنية مثل الصناعة والخدمات، تمتد تطبيقاتها أيضًا إلى المجال العسكري، بما في ذلك تفكيك الألغام وتشغيل الطائرات المسيّرة.
ويشدد سليمان في هذا الإطار على أن" التكنولوجيا بحد ذاتها محايدة، فهي تُستخدم في مجالات مدنية وعسكرية، لكن القرار النهائي في استخدام القوة يبقى بيد الإنسان، وفق الأطر القانونية التي تفرض وجود مشغّل بشري يتحكم في الأنظمة القتالية".
ويختتم الخبير بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة لا يتمثل في تطور قدرات الروبوتات فحسب، بل في وضع أطر تنظيمية صارمة تضمن التحكم في استخدامها، ومنع تحولها إلى أنظمة مستقلة القرار، في ظل تسارع الابتكار واتساع نطاق تطبيقاته في مختلف القطاعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك