في ظل هذا الجدل المثار في الأيام الماضية حول ما يعرف بـ" نظام الطيبات" ودعوته إلى تناول أطعمة محددة" الطيبات" والامتناع عن أخرى" الخبائث"؛ بهدف علاج الأمراض المزمنة والمناعية، الأمر الذى قد يعرض حياة المرضى للخطر فى حاله اتباعه بصوره أو بآخرى؛ لذا كان علينا اللجوء التساؤل حول طبيعة نظام الطيبيات فى مصر القديمة، ومدى فاعليته من عدمه على صحة المواطن المصري القديم الذى خلّد الحضارة الأعظم فى تاريخ الإنسانية؟ ، فكانت الأجابة: " أن كافة الأبحاث العلمية الحديثة أوضحت طبيعة النظام الغذائي لدى المصري القديم القائم على موارد طبيعية باستهلاك دقيق متوازن لما يحتاجه الجسم البشري، غنى بكافة البروتينات النباتية والحيوانية، وذلك من خلال فحص عدد كبير من المومياوات المحنطة وما ترك من بقايا أطعمة يومية عثر عليها من قبل أعمال الحفائر المختلفة".
فقد حرص المصري القديم على الأهتمام بإحداث التوازن الغذائي اعتمادا على الطاقة المستهلكة للجسد فى حياته اليومية و طبيعة العمل المكلف بتنفيذه، فقسم وجباته الغذائية إلى وجبتان أو ثلاثة يوميا، الأولى فى بداية الصباح، وتشتمل على (خبز - بصل ـ الجعة)، والثانية و لثالثة بالتتابع فى منتصف اليوم غالباعند الظهيرة أو باتمامها فى المساء، وتشتمل على (بقوليات أو خضراوات مطهية - لحوم مختلفة الأنواع أو أسماك مطهية - خبزـ جعة)، وبتحليل تلك العناصر الغذائية يتبين وجود قاسم مشترك وأساسى لاغنى عنه فى كافه الوجبات لدى المصري القديم يتمثل فى: " أرغفه الخبز" ذات السعرات الحرارية والخصائص الغذائية الفعالة، والتى وصلت أنواعها إلى ما يقرب من ٤٥ نوعا بفضل ما امتلكته الأرض الزراعية المصرية القديمة من حبوب القمح والشعير المتنوعة، علاوة على الجعة، والتى اعتمدت على تخمير الخبز والشعير بالماء ليصبح غنيا بالبروتينات والكربوهيدرات المعقدة بنسبة كحول قليلة للغاية تخالف ما يتم انتاجه اليوم من صناعات البيرة الحديثة ذات نسب الكحول العالية، فقد كانت الجعة فى مصر القديمة المشروب القومى للمواطن المصرى بمختلف فئاته وأعماره السنية، لما تعطية من سعرات حرارية تعطي طاقة عاليه لأداء المهام بفاعليه، فكان العامل الواحد فى مصر القديمة يحصل على حصة يومية من الجعة تصل إلى ما يقرب من ٥ لتر، هذا وبالنظر لباقى العناصر الغذائية على مائدة طيبات المصرى القديم نجد الكثير من البقوليات مثل: (العدس - الفول - البازلاء - الحمص) ذات الخصائص البروتينية، والخضروات مثل: (البصل - الثوم-الكراث - الخس - الخيار - الفجل - الكرفس).
وتنوعت استخدامتهم مابين أطعمة غذائية أو كعناصر علاجية، علاوة على اللحوم المطهية سواء بطريقة الشواء وهى الأكثر شيوعا أو القلى بمختلف أنواعها، كلحوم الأبقار وأن انحصر تناولها فى المناسبات الكبرى، ومن قبل طبقة الأغنياء فقط، بالإضافة إلى اللحم الضأن للخراف و الماعز والذى كان أكثر شيوعا بفضل قيمته الغذائية العالية حيث يحتوي على الدهون المشبعة مقارنة باللحوم البقرية، وغنيا بالمعادن الأساسية كالحديد والزنك وفيتامين ب ١٢، علاوة على ما يتم اسخراجه من منتجات الألبان والزبدة، هذا.
وتشير أغلب التقديرات الخاصة باستهلاك اللحوم الحمراء فى مصر القديمة إلى ما يقرب من ٤٠٠٠ رطل يوميا كحصة غذائية للعمال، الأمر الذي يدل على مدى حرص السلطة المصرية القديمة في توفير أكبر قدر من البروتين الحيواني من أجل الحفاظ علي الطاقة الغذائية للمواطنين.
كما تم تناول الطيور وبيضها أمثال: (البط-الأوز-الحمام-السمان) باعتبارها أرخص ثمنا مقارنة باللحوم الحمراء، وأخيرا وليس آخرًا كانت المائدة تشتمل على أنواع متعدده من الأسماك سواء المشوية أو المجففة أوالمملحة.
والجدير بالذكر أن المصرى القديم لم يغفل الخصائص الغذائية الفعالة بكلا من الفواكه الموسمية المختلفة والسكريات، فيعتبر التمر والعنب والتين المجفف من أهم مصادر السكر الطبيعي والطاقة السريعة، علاوة علي الدوم والبلح وغيرهم، بالإضافة إلى ابتكار المصري القديم لمكونات الحلوى المختلفة باستخدام جذور نبات الخطمي" المارشميلو البيتى" مع الماء والعسل.
فنظام الطيبات المصري القديم كان صحى للغاية غني بالألياف قليل الدهون المشبعة، ساعد على انتظام الهضم و تجدد الطاقة اليومية رغمًا عن الفوارق الطبقية التى شكلت بصوره أو بآخرى تنوعًا في الطبيعة الغذائية ذاتها، حيث كانت مائدة طعام الطبقات العليا بالمجتمع المصري القديم أكثر غنا بالعناصرالغذائية سالفه الذكر من لحوم متنوعة وفواكه محلية ومستوردة وحلويات، بعكس الطبقة الأقل داخل المجتمع، والتى اعتمدت فقط على العناصر الأساسية كالخبز والبصل والجعة والخضار المسلوق والطيور أكثر من اللحوم الحمراء.
ومهما كان الأمر، فقد حققت العناصر الأساسية بنظام طيبات المصرى القديم الفاعلية المرادة من السعرات الحرارية لديها للحفاظ على الصحه الجسدية وتحقيق النشاط والحيوية، فالخبز يمد الجسم بما يقرب من ١٠٠٠ سعر حراري و الجعة حوالي ٨٠٠ سعر حرارى والخضروات والبقوليات ٤٠٠ سعر حرارى، علاوة على الفواكه والسكريات ٣٠٠ سعر حرارى، والأسماك أو الجبن أو البيض حوالى ٣٠٠ سعر حرارى، ليصل إجمالي عدد السعرات الحرارية حوالى ٣٠٠٠ سعر حرارى يومياً، وهى النسبة المتعارف عليها للبالغين، حيث تتراوح ما بين ١٦٠٠ و ٣٠٠٠ سعرة حرارية يومياً بناءً على الجنس والعمر ومستوى النشاط البدني، الأمر الذى يؤكد مدى القدرة الإعجازية التى أعطاها الله عز وجل للمصرى القديم لكي يستطيع أن يُدرك كل ما تشمله نعم الطبيعة من فوائد صحية تساعده على استمرار حياته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك