من الكتب التي قرأتها مؤخرًا واستمتعت بقراءتها كتاب (سيرة أحمد بن محفوظ) للأديب البحريني حسن المحروس.
وهذا هو الجزء الأول من السيرة وعنوانه (في زمن ازدهار وانهيار حضارة اللؤلؤ)، حيث يعتزم المؤلف إصدار جزء ثانٍ في وقت قريب.
وهذا الكتاب هو الخامس في مسيرة المحروس الأدبية التي بدأها عام 1992 بمجموعة قصصية عنوانها (للشمس طعم البرتقال) تلاها في عام 1998 بمجموعة أخرى هي (حكايات وادي الحنين) وأعقبها في عام 2007 بنصوص حملت عنوان (للحب رائحة التفاح)، ثم مجموعة شعرية بعنوان (همسات) صدرت في عام 2021.
وقد لفت نظري إشارة المؤلف في بداية الكتاب إلى أن جميع الشخصيات والأحداث التي تضمنها الكتاب هي غير حقيقية ومن وحي الخيال، وربما أراد من ذلك الابتعاد عن التأويلات حول شخوص السيرة وأحداثها او عدم الرغبة في خوض أمور قانونية مع من تطرق إليهم أو لأسباب أخرى والله أعلم.
السيرة التي جاءت على لسان الراوي وتتحدّث عن جده أحمد بن محفوظ وكفاحه في الحياة وممارسته لأعمال تجارية مختلفة منها بيع السلع الاستهلاكية، وبيع وشراء اللؤلؤ، والصرافة وغيرها من الأعمال.
وبسبب الحرب العالمية الأولى التي وقعت بين عامي 1914 و1918 وما صاحب هذه الحرب من كساد تجاري عالمي، يضطر أحمد بن محفوظ إلى السفر إلى بومباي، وهي مركز التجارة العالمي آنذاك، لكي يبيع اللؤلؤ الذي بحوزته ويتاجر فيه، فينجح في مهمته ويصبح تاجرًا مرموقًا، وبعد عدة سنوات من الإقامة هناك يستقدم ولديه اللذين كانا طفلين للدراسة النظامية في بومباي، وهكذا كان.
وبعد إكمال الولدين للدراسة، ووقوع الكساد العالمي في جميع أنحاء العالم يعود الولدان، اللذان أصبحا الآن شابين، إلى البحرين.
وتتطرق السيرة إلى بعض الأحداث والوقائع والكوارث التي زلزلت الخليج العربي ومنها كارثة الطبعة في عام 1925 والتي راح ضحيتها الآلاف من الأرواح والمئات من سفن الغوص فضلاً عن نقص كميات اللؤلؤ الطبيعي.
كذلك شهدت هذه الفترة بداية ازدهار اللؤلؤ المستزرع أو اللؤلؤ الياباني ومزاحمته للؤلؤ الطبيعي مما أدى إلى اضمحلال تجارته.
كما تطرّقت السيرة إلى بعض المعالم البيئية في البحرين في تلك الفترة ومنها فرضة المنامة أو الفرضة كما كانت تعرف، وهو الميناء الذي يستقبل السفن والسلع التجارية على اختلاف أنواعها وذلك قبل إنشاء ميناء سلمان في بداية الستينات من القرن العشرين، و(الخور) وهي المنطقة العميقة في البحر والتي ترسو فيها السفن العملاقة، و(الهيرات) وهي مناطق صيد اللؤلؤ سابقًا.
كما تتطرق السيرة إلى شخصية ميكيموتو وهو الرجل الياباني الفقير الذي استطاع بكفاحه وذكائه وعمله الدؤوب أن يخترع اللؤلؤ المستزرع الذي نافس وزاحم اللؤلؤ الطبيعي وحل مكانه، وقد أفرد المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن هذا الرجل وإنجازاته.
كما يقدم الكتاب بإسهاب خلفية تاريخية حول التنافس الاستعماري بين بريطانيا وهولندا والبرتغال منذ القرن السادس عشر، لاحتلال دول آسيا والسيطرة على خيراتها الاقتصادية والذي بدأ في شكل شركات تجارية مثل شركة الهند الشرقية وغيرها، ثم انتهى إلى مكاتب تمثيل إقليمية يقيم فيها نائب الملك البريطاني، كما في الهند التي سيطرت عليها بريطانيا بالكامل واستعمرتها لسنوات طويلة، قبل استقلالها في عام 1949، بقيادة زعيمها المهاتما غاندي.
كما تقدم الرواية بأسلوب قصصي جذاب نبذة وافية عن نشوء مدينة بومباي وتطورها إلى أن أصبحت من أكبر المراكز التجارية والاقتصادية في العالم، ومقصدًا للتجار من مختلف الدول ومن بينهم تجار من إمارات الخليج العربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك