طوباس- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يسترد الثمانيني أحمد صالح أبو سريس، حكايات قرية الكفرين، جنوب شرق حيفا، التي أقصته النكبة عنها، قبل 78 عاما.
يرسم أبو عمر كما يعرفه أهالي مخيم الفارعة لـ" الحياة الجديدة" ببراعة تفاصيل قريته الجميلة، فهو يحتفظ بأمكنة بيوتها، وأسماء ينابيعها، ومعالم حقولها، وعائلتها، ومدرستها، بالرغم من السنوات الطويلة التي أبعدته عن مسقط رأسه.
ويقيم أبو سريس، الذي أبصر النور في حزيران 1938، في مخيم الفارعة، لكن أبناء جيله وأقرانه كافة رحلوا إلى الرفيق الأعلى، قبل أن يكتمل حلمهم بالعودة إليها.
ويفيد: رحل أبناء بلدي كحال محمود أبو لبادة، وعبد الخالق شحادة، ومحمد سرحان، وعثمان الغول، والعشرات من الذين عاصروا النكبة، وغالبيتهم من قرى حيفا، والبقية من جنوب فلسطين.
يقول: كانت حليمة أبو سريس القابلة القانونية (الداية)، التي تشرف على النساء خلال الولادة، ثم يذهب الوالد إلى مختار القرية أديب النجمي (أصله من عكا)، الذي كان بدوره يُسجلها في المحكمة الشرعية بحيفا، ولكن أغلب الأهالي لم يتابعوا، إحضار شهادات الميلاد، لدرجة أن بعض مواليد تلك الأيام أحضرها بنفسه بعد نكسة هزيمة عام 1967.
ويتابع: كانت نساء الكفرين يجهزن القرفة والحلاوة وأطباق الخوية والكراوية، أما الرجال فيوزعون راحة الحلقوم والقطين (التين المجفف).
أما اللواتي كن يتأخرن في وضع مواليدهن، فيلجأ أهلهن إلى العادات الشعبية وبعض الخرافات والأساطير، كإرسالهن إلى (عين حمد) أو وضعهن في غربال وهزهن، وتلبيسهن زيا معينا.
يوالي: كان الطهور مناسبة احتفالية كبيرة، وفيها تحضر الحلوى، وتطلق الأغاني الشعبية، ويجتمع الرجال في مجالس كبيرة، وتعد الولائم بعد ذبح (العقيقة).
وحين تظهر الأسنان في فم الطفل كانوا يسلقون القمح (السليقة) ويوزعونه في أطباق على الجيران وأهالي البلدة، الذين يعيدونها بدورهم مليئة بهدية للطفل.
وتبعا لأبي سريس، كان يوسف زكي يعمل مناديا، إذ يحمل الأخبار، مثل الصحفيين اليوم، إلى القرى المجاورة لإبلاغهم بالأحداث الاجتماعية، كالمواليد والأعراس وحالات الوفاة، وكان يحصل على أجر وهدايا من الأهالي.
ويواصل: حين كنا نعلم بوفاة أحد سكان الكفرين، كانت الدنيا تنقلب رأسا على عقب، وبعد الجنازة وغسيل الميت الذي يتولاه الشيخ عبد الله حسن، يتكفل الجيران من غير الأقارب بإطعام عائلة المتوفى ثلاثة أيام، وبمرور أربعين يوما يُجهزون طعام (الزلابية) والفطير عن روحه، ويستذكرون العيد الأول له.
ويضيف: أما في الأفراح، فقد كانت الكلمة الأولى والأخيرة للأهل وليس للعروسين، الذين يمنع عليهم اللقاء، طوال الخطوبة، إلا يوم الزفاف، وكان المهر لا يتجاوز المئة جنيه بين الأقارب، و150 للغرباء.
وتسبق التعليلة العرس عدة ليالي( بين 3 إلى 7 ليال)، وفيها تُضاء المشاعل، وتُشعّل النيران، وتجهز الدبكة الشعبية، وأشهر من عُرف بها محمد محمود أبو علي (أبو كمال).
ويكمل: كان الأهالي يعدون حفل وداع للحجاج، ويدفع الرجال نقوطا لهم، وفي المقابل يحضر المسافر هدية من بيت الله الحرام لهم، وكانوا يسافرون إلى حيفا، ثم يركبون السفينة حتى ينتقلوا من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر، فمكة والمدينة، ويعودون في حالة صعبة وتعب شديد.
وتتشارك كل مجموعة من الجيران في هدية واحدة للحاج.
ويروى بشوق قصة مدرسة الكفرين، التي تعلم فيها الصفين الأول والثاني الابتدائي، واستعاد وصف حال المكان المحاط بالأشجار، فيما فشلت الأيام في انتزاع تفاصيل الغرفة اليتيمة لمدرسة القرية، وحكايات كتاب (راس روس) للراحل خليل السكاكيني.
ويواصل: لا أنسى افتتاح العام الدراسي عام 1946، فقد كنا في غرفة واحدة تضم المدرسة كلها، وقسّمنا المعلم نعيم دروة، القادم من نابلس، إلى أربعة صفوف لا تفصلها غير مسافة قصيرة بين المقاعد في السنة الأولى، وفي صفنا الثاني علمنا الأستاذ نايف سمور (من سكان يعبد) أما الطالبة الوحيدة بيننا فكانت سهيلة شاكر عبد الجواد، وظلت منفردة على مقعد خاص، فيما رفض سائر أهالي القرية إرسال بناتهم إلى المدرسة.
ووفق الراوي، فقد كان التلاميذ يدرسون في صفهم الأول اللغة العربية والحساب والقرآن الكريم، وما زالت ذاكرته تصون الأبيات الشعرية التي تعلمها عن القهوة: " أنا المحبوبة السمرا، وأجلى في الفناجين، وعود الهند لي عطر، وذكري شاع في الصين".
مثلما يلم قليلا بمقطوعة: " للورد عندي محل، لأنه لا يمل، كل الرياحين جند، وهو الأمير الأجل، إن غاب عزوا وباهوا، حتى إذا عاد ذلوا".
فيما كان يتشارك ثلاثة وأربعة طلاب على مقعد واحد.
ويتابع: كان على من يريد إكمال دراسته بعد الصف الرابع، الذهاب إلى مدارس عكا، وحين يعود عقب الصف السادس، تقام له الاحتفالات والأعراس.
وشهدت بلدتنا مناسبات مماثلة عديدة فرحا بختم الطلبة للمصحف الشريف، فحين يتخرجون من الصف الرابع، تقام لهم حفلات (المولد)، وأذكر الشيخ عبد الله جبارين (من أم الفحم) الذي يقود الحفل والدعاء والابتهالات.
أما الأهالي فيوزعون حلوى الحلقوم والقطين ويتسامرون لوقت متأخر، أما الأكثر يسرًا فاعتادوا وضع ابنهم الخريج على حصان وزفه مثل العريس في حواري القرية.
ويضيف أبو سريّس: وفق الروايات، تعود جذور تسمية عائلتنا إلى والد جده (سليمان) الذي أنجبته أمه تحت شجرة سرّيس في أراضي القرية، ولا أنسى الشارع المؤدي إلى المدرسة، وأحفظ ملامح الطريق إلى عين البلد.
وسمعنا عن مدرسة أخرى (كتّاب) للشيح فريد جبارين المنحدر من أم الفحم، والذي كان يعلم الأولاد مقابل ما تيسر من قمح وبيض وطحين وغيرها.
كان طلبة الكفرين لا يتلقون اللغة الإنجليزية إلا بعد سنتهم الدراسية الخامسة، وكانت عليهم مهمات النسخ والإملاء، والجغرافيا والتاريخ، والحساب، والصحة، ولم يشاهدوا داخل مدرستهم علمًا لبلدهم أو يرددوا نشيد الوطن، بحكم الانتداب البريطاني.
يفيد: حصلت على شهادة الخامس الثانوي (مترك لندن) عام 1958، وبعد عام واحد بدأ نظام" التوجيهي" بالظهور، وبدأت بالتدريس في مخيمي: الكرامة والنويعمة على شهادة المدرسة، واستقر بي الحال عام 1961 معلمًا في الفارعة للرياضيات والتربية الإسلامية والفنون 1995.
ووفق الراوي، فقد التحق عام 1966 بمعهد النجاح بنابلس، وتخصص الرياضيات، وكان المنهاج مصريا، وكان طالبا في الفترة المسائية، ومعلمًا في الصباح.
ويفيد: قطعت نكبة عام 1948 الطريق علينا، ولم نكمل الصفين الثاني والثالث فيها، ولكننا تابعنا مسيرة اللجوء القاسية، ففي يوم 12 نيسان قرر أهالي الكفرين الخروج منها دفعة واحدة، وكانوا يقولون: أسبوع ويعود كل شيء لطبيعته، لكن ما أن خرجنا إلا ونسفت العصابات الصهيونية البلدة عن بكرة أبيها، وبدأن مرحلة الشتات في أم الفحم (كانت إحدى قرى جنين قبل النكبة) وقرية رمانة لسنتين، ثم مخيم الفارعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك