لا تُقاس أزمة الشرق الأوسط في رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) ببيانات القلق وحدها، بل بأثرها في الوقود، والشحن، والغذاء، والممرات البحرية.
لذلك بدت القمة التي عقدت في الفلبين مؤخرا، في ظل رئاستها للرابطة هذا العام، اختباراً عملياً لمناعة (آسيان).
فقد نقلت القمة الأزمة إلى ميزان الحياة اليومية، من اتفاقية نفطية طارئة وشبكة كهرباء إقليمية إلى مراقبة الأسمدة والأسعار واحتياطي أرز قابل للتحريك عند الحاجة، حين تتعرض الإمدادات الإقليمية لضغط مفاجئ من الخارج أو الأسواق المضطربة.
تجلت أهمية البيان الخاص باستجابة الدول الإحدى عشرة في (آسيان) لأزمة الشرق الأوسط، الصادر في ختام القمة، في انتقاله من تسجيل القلق السياسي إلى إدارة المخاطر عمليا.
فقد دعا إلى تسريع اتفاقية أمن البترول، وتفعيلها عند اضطراب الإمدادات طوعياً، مع تنويع مصادر النفط الخام والمنتجات المكررة.
وهذه إشارة إلى أن مناعة الإقليم تبدأ حين لا يترك أمن الطاقة للسوق وحدها، إذا توترت طرق الإمداد وارتفعت كلفة النقل والتأمين.
وفي الاتجاه نفسه، دفع البيان نحو تسريع شبكة كهرباء (آسيان)، وتوسيع تجارة الكهرباء العابرة للحدود، وربط بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفلبين، إلى جانب مشاريع تشمل لاوس وتايلاند وماليزيا وسنغافورة.
هنا تظهر المناعة الإقليمية في صورتها العملية، لا بوصفها شعاراً عاماً، بل بوصفها بنية تحتية عابرة للحدود، وخطة احتياط، وقدرة على تقاسم العبء عندما تضيق خيارات كل دولة منفردة.
ولا تقف المسألة عند النفط والكهرباء.
فقد دعا البيان إلى مراقبة إنتاج الغذاء، وإمدادات الأسمدة، والأسعار، واضطرابات اللوجستيات، وبحث استخدام احتياطي الأرز الطارئ بين (آسيان زائد ثلاثة).
هذه البنود تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها اجتماعية في جوهرها، لأن ارتفاع الوقود لا يبقى في محطة البنزين، بل ينتقل إلى الشاحنة والميناء والمخزن والسوق.
ومن هذا المدخل يصبح البحر جزءا من سياسة الوقاية لا مجرد مسار تجاري.
فأي ارتباك في الممرات الدولية ينعكس على الشحن والتأمين والمخزون وحركة العمالة.
لذلك جاء تشديد بيان القمة على المرور الآمن للسفن والطائرات في المضائق الدولية منسجماً مع قراءة (آسيان) للأزمة بوصفها ضغطاً محتملاً على الأسعار والإمدادات، لا مجرد ملف سياسي خارجي.
أما الخليج، فتمنحه هذه القراءة الآسيوية درساً عملياً في معنى الشراكة المقبلة.
فالعلاقة مع جنوب شرق آسيا لا ينبغي أن تبقى محصورة في بيع الطاقة واستقبال العمالة، بل يمكن أن تمتد إلى التخزين، والكهرباء، والأمن الغذائي، والموانئ، والتقنيات النظيفة.
وحين تختبر قمة الفلبين مناعة (آسيان)، فإنها تكشف أن قوة الرابطة لا تقاس بقدرتها على إصدار بيان جديد، بل بقدرتها على تحويل القلق إلى ترتيبات وقائية.
وفي هذا المعنى، تصبح الشراكة الخليجية-الآسيوية أكثر من علاقة طاقة وعمالة، لأنها تستطيع أن تجعل خطوط الإمداد أساسا أوسع لبناء الثقة والاستقرار.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤونمنطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك